مُــــزَن كتـــبَت

خَـلّوا لـــسـان المــراثي، إنّها تـَــــرَفُ
عن سائر الموتِ هذا الموتُ يختلفُ[II]

ما أصاب النفس بحزن فائق، وما أمطَر الدموع لِحَدٍّ لم يحصل منذ عقدين، أن مُزن كانت، بجانب أشياء كثيرة، مشروعا فكريا ثوريا ضخما يمشي على قدمين. وذلك المشروع كان ينمو ويتطور ويتركّب، في معمارٍ جاذب، أمام أعيننا، وعبر سنوات. وهو مشروعٌ لا يشبه غير مزن، ولا يشبهه مثلَ مزن أحد. وهو مشروع مهم، وعزيز، شديد الجدية في انحيازه “للناس”، للمجتمعات الغالبة إحصائيا وحضورا في مضامير الحياة، والتي تعطي الحياة معناها، ليس عبر السلطة المسلوبة ولا عبر الثروة المسروقة، وإنما عبر إنتاج الحياة نفسها وإعادة إنتاجها…. الناس!

أثناء وَنَسة، قبل سنتين تقريبا، قالت مزن إن طموحها الشخصي يتجلى عندها في تصور واضح: ترى نفسها تعيش في بلدة صغيرة، بعيدا عن صخب المدن الكبيرة. في هذه البلدة مصنع منتجات زراعية/غذائية ومملوك تعاونيا، وهي عاملة/مالكة في ذلك المصنع، الذي هو في ذاته عروة الكميونة النابضة التي تعيش فيها، أي أن مساكن العاملين/المُلّاك في ذلك المصنع قريبة ويعيشون حياتهم في مأمن وفي إنتاج وفي تفاصيل الحياة البسيطة الأخرى. رأت مزن نفسها موزعة أيامها بين المشاركة في العمل المنتج والمشاركة في إدارة ذلك المجتمع لشؤونه المحلية، وبين زمنها الخاص الذي تقضيه مع ذويها، وتمارس فيه ما تريد: تتأمل وتكتب، وتسمع الموسيقى، وتشاهد ستارتريك وأعمال الخيال العلمي وغيرها مما يعجبها، وتسافر أحيانا؛ وكل ذلك في بساطة مسكن ومأكل وملبس وحركة؛ بساطة ذات جودة وصحة. لا شيء كبير ولا شيء صاخب. ثم قالت: لكني أعلم أني كيما أقترب ولو قليلا من ذلك الطموح، في حياة بسيطة، فهناك سياق كبير لا بد منه. لا بد من هياكل حكم ديمقراطية واسعة، ولا بد من اقتصاد اشتراكي، ولا بد من تطور صناعي، ولا بد من مجتمع تسود فيه قيم سيادة محلية وتقديس للحياة ونكران للاستغلال. أي لا بد من انهيار الامبريالية ولا بد من دحر كل أشكال السلطة الغاشمة والاستغلال القائمة الآن وبناء غيرها. لذلك فمن أجل ذلك الطموح الصغير، في مساحة صغيرة، يوما ما، لا بد من خوض المعارك الكبيرة الآن.

كانت مزن مخلصة لهذا الموقف إخلاصا نادرا. إخلاصا ظلّ يذكّرنا بالأولويات – نحن الذين كنّا حولها – بطريقة لا يذكّرنا بها مثل مزن أحد. فعندما كانت في صفوف الثوّار في المواكب والاعتصامات، كانت ثائرة (حركيا) معهم وثورية (فكريا) كذلك–تخاطب الجموع وتنخرط معهم حول قضايا الوعي الثوري وحول ماذا يريد الثوار من أجل مستقبل لا يضطرون بعده للخروج الثائر مجددا. (وإن كنّا سنتحدث عن “أيقونات الثورة” فعلا، فلن يتخطى حديثنا مزن بأي حال من الأحوال، لكن مزن لم تتحدث ولم تشتغل كـ”أيقونة”، ولن نأتي على سيرتها وبذلها الآن بطريقة رأتها مبتذلة عندما كانت بين ظهرانينا). وعندما كانت تدير دفة مشروع استناد، منذ بداياته القديمة في 2019، وحتى أول شهر أبريل 2026[III] كنا نعيش حالة من المشاريع النادرة في ظروف نادرة؛ إذ بدون موارد تُذكَر، وبدون قدرة على التفرّغ، وبدون محفزات خارجية على العمل، كانت محفزاتنا الداخلية كافية للعمل والإنتاج، لكنها كانت كافية بفضل مزن. إذ أن مزن كانت ضابطة إيقاعنا؛ تحضّر الأشياء، وتوزّع المهام، وتتابع العمل، وتذكّر كل واحد فينا، وتكتب هي كذلك، وتجمعنا في الاجتماعات الشهرية، بأجندة جاهزة، إلخ. بيئة عمل جادة (وممتعة معا) لأن محورها مزن.

التقينا، مزن وشخصي، في أعمال كثيرة، لأن العمل معا كان دائما مثمرا ومنضبطا في الزمن والمخرجات، ولأن تبادل الأفكار وصياغتها كانا يجريان بسلاسة نادرة. عندما جاءت للعمل معنا، كاستشارية متطوعة، في مركز البحوث والاستشارات الصناعية (وخاصة في مشروع تدشين معهد دراسات السياسات الصناعية)، كان بعض منسوبي المركز، الذين يكبروننا سنّا، معجبين بهمّة وعمل تلك الطالبة الجادة. ظنوها تلقائيا طالبة جامعية صغيرة، إذ لم يتصوّروا من المظهر أنها “سيدة” مهندسة ذات خبرة مهنية وإدارية وبحثية، وباع نضالي (بينما كان بعض منسوبي المركز “الشباب” يعرفون مزن مسبقا، كشخصية معروفة في الحراك العام، ولا غرو). لذلك ظنوني أمزح عندما كنت أقول إن مزن هذه ستكون مديرتي مستقبلا. كنت أِشعر بذلك، رغم ان عملية تأسيس استناد كانت تمشي ببطءٍ وقتها، بسبب الظروف، ورغم أني لم أكن جزءا من تلك العملية، وقتها، إذ خرجتُ منها تماما أثناء العمل في مركز البحوث.

مزن كانت بصدد كتابة كتابها الأول قريبا، والذي كنت أرى مسبقا أنه سيكون الأول من بين عدة، فمزن كتبت الكثير مسبقا، وهي ترتّب افكارها وكتاباتها وأعمالها وتبوّبها جيدا، وسوف لن يمضي كثير من الوقت بعد الكتاب الأول حتى يخط يراعها كتبا أخرى. وكتاب مزن الأول عن السياسات الصناعية والتنمية الصناعية من منظور متمحور حول الناس وبيئتهم. كنّا نتحدث ونحضّر حول أنه سيكون كتابا عما يمكن أن نسميه “ثورة صناعية شعبية”، وسياسات صناعية لنفع الناس وبقرارهم. وكنتُ سأتشرّف بأن أكون المؤلف الثاني في ذلك الكتاب. وقد اجتهدت مزن في مرحلة العصف الذهني للكتاب، وتبويبه جيدا، وتقسيم العمل بيننا، ثم جدول العمل وأوقات التلاقي للمراجعة المشتركة. كما اجتهدت في توفير الموارد المطلوبة لضمان صدور العمل، عبر الحصول أخيرا على اعتماد من معهد دراسات دولي، يساري، للتكفل بعملية التحرير والطباعة والنشر، ثم الترجمة، حتى يصبح الكتاب متوفرا باللغتين العربية والإنكليزية.

في هذا الكتاب، كان مشروع مزن يخطو لمرحلة كبيرة من التتويج، وهو تتويج ديناميكي، لأن مشروع مزن بقي معطاء لفترة، وتركت إرثا كبيرا فعلا، كما أن مشروعها لم يكن معنيّا بالكتابة فحسب، إنما الكتابة الباحثة، المدققة، البانية، لهدف رسم خارطة طريق لنشاط يتبعه، وفي تفاعل بين الممارسة والتنظير (براكسِس)، من أجل تحقيق منافع ملموسة للناس. منذ كتاباتها حول تنظيم أماكن السكن وأماكن العمل بصورة منتجة وقادرة على الإدارة المحلية المنتجة، بقيت مزن تشتغل على تطوير الأطروحة وتكميلها، وترتيبها، لتكون ذات قابلية للتجريب الجاد، على أمل الانعكاس المستدام على واقع الناس، لنفع الناس. كذلك كانت مزن تشتغل بالموازاة على مشاريع أخرى، وكلها إجمالا تصب في نفس الحوض الكبير المذكور آنفا. على سبيل المثال كانت تعمل على ورقة مشتركة، مع باحثين آخرين، حول فهم العقبات الهيكلية وراء الأزمة الصناعية في السودان.

وبرحيل مزن، لا أعرف من يمكنه أن يكتب هذا الكتاب، ومتى، ولا أظن أنه لو كُتِبَ يوما فسيكون مثلما لو كتبته مزن. وهو كتاب مهم جدا في موضوعه وفي مقاربته. هذه خسارة لا تعوّض، في المدى المنظور. وهي خسارة لا تفيها دموع الرثاء ولا كلمات النعي. ليس غريبا أن نحزن لفراق شخص عزيز، وندمع عندما نكون فقدنا روحا كبيرة وقيمة عالية تجسدت في ذلك العزيز وغابت عنّا معه. كذلك نحزن وندمع عندما يغادرنا عقلٌ استفدنا من أعماله واعتدنا على إمداده لنا بها. لكن مزن غادرتنا ومشروعها في خضم إنتاجه ومراحل أصالته. كأنها رواية قوية، جاذبة، وعميقة، لكن نهايتها تبدو كما لو أن هناك فصول قادمة تطلّعنا لقراءتها بيد أن شيئا ما قاد لكفكفتها. ولا نقول كلامنا هذا اعتراضا على قضاء الله وقدره، إنما نقرّ بحصول خسارة محققة وملموسة (مثل الاعتراف بخسارة معركة، والخسارة أتت بقضاء لا نعترض عليه لكن نقرّها)، فلم نفقد صديقة عزيزة، ورفيقة عمل، ورصيدا كبيرا للثورة فحسب، إنما خسرنا كذلك مشروعا واعدا ومهما.

بينما كانت مزن في غيبوبتها، في أيامها الأخيرة بيننا، كان من حولها يتحدثون معها، وهم مؤمنون بأنها تسمعهم. من كان حولها حسيا كان يكلمها، ومن لم يكن حولها حسيا، من المقربين لها، كان يرسل لها الرسائل الصوتية ويقوم من حولها بإسماعها لها. في رسالتي الصوتية لها، والتي أرسلتها لعزيزنا أحمد، زوجها، قلت لها بإيجاز ما كتبته هنا بإسهاب: “….ومحتاجين ليك شديد وراجينك يا بوص. مافي زول تاني حيعرف يكتب الكتاب المفروض نكتبه سوا. ومافي زول حيعرف يسوق دفة استناد زيّك، ومافي زول تاني حيذكّرنا طوالي بالأولويات زي ما انتي بتذكرينا بيها. وحاجات كتيرة ما ممكن تكون ماشة صاح بدون مزن….”

فيا مزن، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك لمحزونون، ونأمل ألا نقول إلا ما يرضي الله، وأن يدركنا بحكمته الخافية عنّا في رحيلك المفاجئ، وأن يورثنا خير ثمار ما أنعم علينا به من معيّتك، قبل الوداع المبكر لتلك الروح الكبيرة التي سكنت جسد امرأة افريقية كالمعتاد.

 


[I] “مزن كتبت” هو عنوان مدوّنة مزن، والتي بدأت الكتابة والنشر فيها منذ بدايات 2013: muzankatabat.wordpress.com
[II] الأبيات من قصيدة لتميم البرغوثي، تذكّرناها بمُزن
[III] استناد مؤسسة بحثية تم تأسيسها في السودان في العام 2021 وتعمل في مجال الابتكار والعلوم والتكنلوجيا من أجل التنمية النافعة للمجتمعات: istinad.org

أضف تعليق