القاعدة المادية للذكاء الاصطناعي

في العام الماضي، كان أحد المشاريع الموازية التي انشغلت بها، تطوير الاستيعاب العام، الفني والسياساتي، لأثر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة على مجتمعنا الكوكبي–الأثر الحالي والقادم. فهذا الاستيعاب صار جزءا أساسيا من استيعاب دور التكنولوجيا في المجتمع البشري المعاصر والمستقبلي، كجزء أساسي (بدوره) من استيعاب ما يؤثر على حيواتنا الجمعية – اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا – في هذا الكوكب. وكان أهم عمل في تطوير ذلك الاستيعاب هو تطوير استيعابي شخصيا. رجعت للقراءة “المدرسية” من جديد، عبر عدد من المساقات (courses) الجامعية والتدريبية/المعهدية المكثفة – بواجباتها وامتحاناتها وديدلايناتها – والتي تسوق للحصول على عدد من الشهادات المهنية في مجالات علم البيانات التطبيقي، وإدارة التكنولوجيا الرقمية، وأسس الذكاء الاصطناعي.

كذلك، قمت في نهايات العام الماضي بتصميم مساق جديد، لطلبة دراسات عليا، ضمن تعاقد مع جامعة كندية كأستاذ متعاون (adjunct)، والمساق حول حوكمة التكنولوجيا الرقمية. عبر عملية تصميم المساق وجدت نفسي كذلك بحاجة للتوسع في الاطلاع على الدراسات والهياكل المتعلقة بالعمليات الاقتصادية والقرارية التي تدور حول البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.

عبر عملية “إعادة التأهيل” المكثفة، عاليه، والتي استمرت حوالي تسعة أشهر إجمالا (أو سنة أكاديمية)، يجوز القول إني “ازددت علما بجهلي”. بطبيعة الحال هذا مجال واسع ومشتبك، ومتطور بصورة مستمرة مهولة، ولذلك فالمرء قد يكون محظوظا إذا أتيحت له فرص تعلّم وتدريب وتجريب تجعله قادرا أن يتابع، باستيعاب معقول، مسارات التطورات التكنولوجية ومستويات النقاشات الحوكمية المتعلقة بالمجال. أما التأثير في المجال نفسه، فذلك يتطلب مستويات سلطة ومعرفة لا تتوفر لمثلنا حاليا، ولا يبدو أننا ستتوفّر في المدى المنظور (فحتى لو ازددنا معرفة – ببعض المثابرة – لا نتخيّل ان نزداد سلطة في هذه الفانية).  

في 1957 قال كارل بولاني ان الفرق الأساسي بين الرأسمالية والاشتراكية، في حقبتنا التاريخية الكوكبية هذه، هو كيفية إدماج التكنولوجيا الحديثة في مؤسسات المجتمع. مثلا، طريقة إدماج تلك التكنولوجيا وفق أشكال تسليع للأرض والعمل والمال تعطينا اقتصاد السوق (سليل الرأسمالية) بينما إيقاف تسليع هذه العوامل، مع إدماج التكنولوجيا في مؤسسات المجتمع بصيغ مختلفة، يسوقنا نحو آفاق الاشتراكية. (ولا يتعارض هذا الوصف مع تعريف شكل الاقتصاد وفق علاقات الإنتاج، أو وفق من يسيطر على فائض القيمة، إنما يتعمق أكثر في دور التكنولوجيا الحديثة في نقل انماط الاقتصاد كلها من الانماط القديمة إلى الحديثة).

ولم يتغيّر شيء كبير منذ الوقت الذي كتب فيه بولاني ما كتبه. التكنولوجيا تطورت وفق معادلة أسيّة (exponential) كما يرى الجميع، لكن المشكلة الأساسية ما زالت في شكل المؤسسات التي يتشكل وفقها قرار إدماج التكنولوجيا في مؤسسات المجتمع. حتى تعريف يانس فاروفاكس – الاقتصادي الاشتراكي الماركسي – للواقع الحالي بأنه ظهور عهد “الإقطاع التكنولوجي” (techno-feudalism) ما زال قريبا من تأطير بولاني. مما يعزز هذا الاستنتاج الواقعي أن القاعدة الأساسية لهذه “الثورة الصناعية الرابعة” (كما تسمى في بعض الدوائر) هي قاعدة مادية صلبة، وليست “سحابية” (cloud-based). صحيح أن البيانات أصبحت ثروة جديدة فائقة وقوية، كما أصبحت القوة الحوسبية كذلك، لكن البيانات والخوارزميات ليست شيئا بدون مراكز البيانات الضخمة (خوادم، تبريد، وبنى تحتية معقدة) وبدون شبكة الموصلات الضخمة حول الكوكب (كابلات بحرية وأقمار صناعية وغيرها)، والتي تحتاج لمعادن نادرة (لأشباه الموصلات والرقائق الذكية، إلخ)، ولطاقة كهربائية عالية ومتزايدة (من مصادر تقليدية ومتجددة)، ولمصادر مياه عذبة كبيرة (لتبريد الخوادم وتشغيل الأنظمة)، ولقوى عاملة نوعية تم الاستثمار في تدريبها (للتصميم والتشغيل والصيانة)؛ كما أن تلك القاعدة المادية مرتبطة بمنتجات وعمليات نقل وخدمات متعددة كلها ذات قواعد مادية، استخراجية وتصنيعية ولوجستية. فالحديث عن صراع التفوق في الذكاء الاصطناعي باعتباره صراعا يدار في السحاب والأدمغة والتمويل فحسب حديث قاصر جدا وبعيد عن إدراك حجم التحدي.

فمشكلة الذكاء الاصطناعي حاليا، بالنسبة للمجتمعات، هي مشكلة قرار؛ وبالذات:

  1. من يقرر بشأن انحيازات خوارزمياته وبياناته (أي الانحيازات المبطنة التي تنعكس كانحيازات في عمليات المنطق والتعلم الآلي التي ينبني عليها الذكاء الاصطناعي نفسه، والانحيازات في عمليات تجميع وتبويب واستدعاء البيانات التي تغذي الذكاء الاصطناعي وتشكّل “إدراكه” للعالم بشتى أوجهه)، و
  2. من يقرر بشأن دمجه في مؤسسات المجتمع المحلي والعالمي (أي الانحيازات الضخمة في السلطة وفي التحكم في أولويات تطبيقات التكنولوجيا الخطيرة هذه).

لأجل ذلك، ولغيره، ما زال التحدي الأول الذي يواجه البشرية، بخصوص التعامل مع الذكاء الاصطناعي، يكمن في “حوكمة الذكاء الاصطناعي”، وفي مراجعة علاقات القوى وعلاقات الإنتاج المرتبطة بالتكنولوجيا ودوراتها إجمالا، وبالتكنولوجيا الرقمية والسحابية خاصة. بل يمكن القول إن الحديث الفني البحت عن تطورات ومسارات الذكاء الاصطناعي، بدون اصطحاب مشاكل القرار المذكورة عاليه، أو بتطفيفها، يدخل في باب ذر الرماد في العيون.

فلنحاول الإسهام في هذا الشأن، بما قد يتوفر لنا من فهم وزمن وموارد ومساحات، ونصب أعيننا مصالح مجتمعاتنا. فالتكنولوجيا إجمالا، بما توفره من فضاءات أخاذة وفرص تأملات عميقة، وتحديات كذلك، إنما هي بالنسبة لنا وسيط بشري لإثراء الحياة البشرية وتقليل مجهولياتها، لا العكس…. وللحديث شجون.

أضف تعليق