[مجموعة مقالات، كتبت في أواخر 2026، ونوقشت في الوسائط، حول الحرب في السودان]
تأملات في الحرب والسياسة: امتحانات وإشارات
[نشر في 15 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
امتحان
حرب أبريل 2023 مثّلت امتحانا كبيرا للقوى الاجتماعية/سياسية الحديثة في السودان، أو ما يمكن تسميتها بالقوى التي مثّلت امتداد التفكير الحديث في سياقنا التاريخي. تتمثل تلك القوى الحديثة في تجمعات وتنظيمات تلتف حول مدارس تنتمي لليسار العريض الذي يرفع راية الاشتراكية والديمقراطية (بتشكيلات متفاوتة، من الشيوعيين وحتى الجمهوريين وما بينهم)، وتنتمي للمد اللبرالي العالمي (من المؤتمر السوداني وحتى جملة تفريعات اللبراليين السودانيين)، كما تضم بعض الحركات السياسية التي حملت السلاح؛ ذلك مقابل القوى التقليدية الأقدم في البلاد (من الأحزاب الطائفية والتشكيلات الاجتماعية المحلية القبل-استعمارية).
وحجم الامتحان لم يأت بالضرورة من حجم المطلوب منه. تقول الحكمة المعروفة إن فهم السؤال نصف الإجابة. وإجمالا فما حصل أن الكثيرين (وليس الجميع) من رصيد القوى الاجتماعية الحديثة، المذكورين آنفا، لم يفهموا الامتحان، فبدأ الرسوب من هناك. (وهنا لا نشير بالضرورة لمواقف تنظيمية شاملة وتعبّر عن كل المنسوبين للتنظيم أو المجموعة المعنية، بل من الواضح أن الامتحان أيضا أظهر تباينات واختلافات أساسية بين شرائح وأفراد متنوعين داخل تلك القوى الحديثة، سواء أكانت منظمة أم غير منظمة).
ذلك إذ أن ما يميّز القوى السياسية والاجتماعية في العصر الحديث [أي ما يميّزها عن القوى التقليدية وما يمايزها فيما بينها] هو الرؤى والمناهج في مقاربة الواقع وأدوات تغييره. وفقا لذلك فالمفترض في تلك القوى أنها، حين تُواجه بحدث كبير ومعقّد، فهي تستند إلى رؤيتها ومنهجها لتشكّل فهما مستقلا للأوضاع ثم تبني موقفها وفق ذلك الفهم، ثم تعمل على تفعيل سعيها للتغيير وفق أدوات منهجها، وبناء قوة خطابها وتنظيمها وفق ذلك. وعليه فما يسوق التفكير والقرار هنا هو محركات فكر ومصالح كبرى (حتى في الاختلافات والصراعات)، وليس يكون السعي وفق مخاوف وأطماع ضيقة. أي هكذا ينبغي أن يكون الأمر.
لكن ما جرى للكثير من منسوبي تلك القوى، إثر حرب أبريل 2023، هو أن ساقهم الخوف المسبب للشلل في التفكير فلم يفهموا الامتحان. وهو ليس الخوف بالمعنى المباشر، الغريزي، بالضرورة، إنما هو الخوف والقلق من خصم سياسي سلبهم كل قدراتهم الفكرية والتنظيمية، عبر عقود، فأصبحوا انعكاسات مقلوبة له. والانعكاس المقلوب يحصل عبر مرآة مقعّرة. وذلك الخصم المخيف، والمحيط، والذي أفقدهم اتزان التفكير، هو “الكيزان”. والانعكاس المقلوب، رغم انه مخالف للصورة الأصلية، إلا أنه غير مستقل عنها، بل هو محكوم ومربوط بها. وهكذا تخلى هؤلاء عن جملة ملكاتهم التفكيرية والتحليلية المستقلة، وكل آفاقهم التنظيمية، وكل الاحتمالات التي تجعلهم يفهمون تعقيدات الواقع ثم يتحركون فيه بوعي أصيل، وسلّموا قيادهم للكيزان، بحيث جعلوا بوصلتهم هي “حيثما نرى الكيزان نمشي عكسهم.” واعتبروا ذلك عوضا عن إدراك تعقيدات الواقع وحسابات المصالح الكبرى، وترتيب الأولويات وفق الرؤى والمناهج. فقط كل شيء يمكن تفسيره بالكيزان، ثم حيثما يذهب الكيزان – أو نتصور أنهم يذهبون – نذهب عكسه…. تماما مثل الانعكاس المقلوب.
(وبالطبع فهذا الوصف لا ينطبق على جميع منسوبي القوى الحديثة بالتأكيد، إذ هناك تفاوتات كبيرة في المواقف، وهناك أصوات ومجموعات مثّلت نماذج تحتذى في الاستقلال والصمامة الفكرية).
وهذا فشل في فهم الامتحان لأنه ينتقل لميدان آخر غير ميدان الواقع، وغير ميدان التنظير والممارسة المسؤولة (البراكسس)، إذ هو ميدان الغبينة وردة الفعل، لا أكثر. ومثل هذا يؤدي لأعراض فقر في الروح الثورية أو انتكاس في الفكر التحرري، أو الاثنين معا. تؤدي تلك الأعراض لحالات تخبط محزنة، مثل أن يصير البعض مجرد انعكاس مقلوب لجماعة باهتة وبائسة وفاشلة ورديئة مثل الكيزان؛ جماعة لم تعرف كيف تدير سلطتها حين استولت عليها، وكيف تجتمع بعد أن فقدتها، وكيف تنفذ قوائم مشروعها الذي أعلنت عنه بنفسها؛ فتراها الآن جماعة حاضرة لكن خاوية الوفاض، إذ هي متشتتة بين “أطراف النزاع” كافة، لكن بلا أفق وبلا استجماع قوى (رغم أن ضررهم مستمر بطبيعة الأمور)، حيث أن الكوارث التي ساهموا في صناعتها وأورثوها للشعب الآن تجاوزتهم وصارت أكبر منهم ومن طاقتهم بكثير، وصارت مصالح الشعب الكبرى، وقضايا سيادته الأصيلة، وطموحاته ومكتسباته التي راكمها عبر التاريخ، في خطر حقيقي. ورغم ذلك فالوضع المحزن حقا هو وضع القوى الاجتماعية الحديثة، المذكورة آنفا، التي صارت ترى العالم من حولها بمنظار الغبينة، الضيق (إذ محيط دائرته هو نفس محيط دائرة منظار الكيزان)، وهو فوق ذلك منظار فاقد للاستقلال وللنهوض لمستوى المسؤولية وفهم خطورة الامتحان الكبير وتعقيده. حتى بلغ الأمر بتلك القوى أن نسيت، أو تناست، الحكمة السودانية القريبة: “الفش غبينته خرب مدينته.”
ثم، ومع ذلك، نحمد الله أن تلك القوى التي رسب كثيرون منها في امتحان الاستقلال هذا، تنهض حاليا بدلها قوى اجتماعية جديدة، مختلفة، ذات شكيمة أعلى وذات استقلال أكبر، وذات رصيد نضالي جسور رغم العمر الصغير نسبيا. هذه القوى الاجتماعية الجديدة رصيدها الأساسي جيل ثوري، لم يعاني أي جيل سابق مثل ما عاناه تحت نير الحكم الاستبدادي المتخلف وقاتل الناس والأحلام، لكن رغم ذلك لم تخسر تلك القوى استقلالها الفكري. فهمت الامتحان فهما عميقا، لا يتأتى بسهولة، إذ وقبل أن يجف دم الرفاق بينهم، وقبل أن تخبو جذوة الثأر للنفوس الطاهرة التي فدت الناس والأرض بثورية حقيقية، تمكنت تلك القوى من أن تتماسك فكريا ومنهجيا، باستقلال محترم، وتتذكر الرؤية الأصيلة والمصالح الكبرى، التي من أجلها بذلت الدماء والدموع، ثم تنزلت منها لتعقيدات التفاصيل وما يتطلبه العمل والأولويات وفق التفكير المستقل (ومن لا يعرف تعيين الأولويات لا يعرف أسس العمل العام، أو كما قال نيريري). ورغم أن المشوار ما زال وعرا وطويلا جدا أمام هذه القوى الاجتماعية الجديدة، إلا أن فهمها للامتحان، ثم خوضها له بمسؤولية، يبث فينا الكثير من دواعي الأمل والعمل.
ابتلاع
ما جرى للحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال (القوة الرئيسية)، في يناير 2025، امتحان من نوع آخر. وهو سيخلد كدرس قوي من دروس التاريخ، حول خطورة المحكات التاريخية، والتي يمكن عبرها أن تبرز قوى تحررية تعطي درسا كبيرا في التماسك الفكري والصبر الاستراتيجي، أو تنمحق إلى شيء آخر يختلف اختلافا شاملا عما كانت عليه قبل المحك التاريخي.
حاليا، نرى عددا مقدّرا من الكادر الاستراتيجي للحركة الشعبية (أي الكادر التفكيري فيها وصائغ أدبياتها المعلومة) يتحدثون وكأن الدعم السريع انضم للحركة الشعبية وتبنى مشروع السودان الجديد، فصارت تأسيس. ذلك بينما الواقع الماثل والذي يشهده الجميع، داخليا وخارجيا، ويصرّحون به بأفعالهم قبل أقوالهم، هو أن الحركة الشعبية انضمت للدعم السريع وقدمت له خطاب السودان الجديد النظري عربونا، فصار لدينا وجه “الشرعية السياسية” للجنجويد والمسمى تأسيس. وتلك لعمري قصة سيعطيها التاريخ الكثير من الوقت وفرصة التأمل: كيف ابتلعت اقطاعية رجعية ودموية وفارغة فكريا، كالدعم السريع، حركة تقدمية وذات رؤية سياسية صبرت عليها كثيرا، في محكات كثيرة، ثم تنازلت عنها دفعة واحدة لقاء صفقة ما، وكيف تمت تلك الصفقة بموافقة القيادة السياسية والتفكيرية للحركة الشعبية.
أقلام وأبواق الحركة الشعبية صاروا كأنهم يتحدثون عن واقع موازي (افتراضي) أقنعوا به أنفسهم، وهم يحدثوننا عن تأسيس فعلت وتأسيس قالت. ولعلهم قد أقنعوا أنفسهم بذلك الواقع الموازي لكي يستطيعوا العيش مع ضميرهم بعد الصفقة التي تمت في يناير 2025 (تقريبا)، وخرجت للناس في حليتها في فبراير 2025.
وحيث أن هناك بقايا أمل، ما يزال، في أصوات وتحركات داخلية غير قابلة بما جرى ويجري، فإنا نرجو للحركة الشعبية أن تتعافى مما حدث، عاجلا غير آجل، وأن تعمل على استعادة مكانها الذي سيبقى شاغرا، لأجل غير مسمى، في طيف الحراك التقدمي والتحرري، المحلي والإقليمي، في المنطقة.
جبهات
اختزال التعقيدات وتطفيفها ليس مسارا ممكنا لحل مشاكل الشعوب. نعلم جيدا أننا لا نعيش في عالم تحكم فيه جملة الشعوب نفسها بنفسها، وأن النزاعات السياسية العميقة، والنضالات الشعبية الكبيرة، جارية في شتى بقاع العالم، وصعوباتها وتعرجاتها كثيرة، في سياق تاريخي يجعل جملة تلك النزاعات والنضالات تقع داخل إطار الدولة العصرية (والذي هو إطار تاريخي، أي أنه بدأ في حقبة تاريخية وسيأتي زمان يتراجع فيه وينحسر ليفسح لغيره من توليفات الأطر الاجتماعية-سياسية الجديدة، بعد أن يستنفد غرضه).
ذلك يجعل أغلب شعوب العالم – وهم شعوب الجنوب العالمي – في خضم مقاومة ذات جبهات مزدوجة (على أقل تقدير):
1) جبهة مقاومة نظم السلطة المحلية، و
2) جبهة مقاومة نظام السلطة العالمي، وجه الامبريالية ووريث الاستعمار والاستعمار الاستيطاني.
(وحسب الحالة، ربما تكون هناك جبهات أخرى كذلك)
هذا سياق يعيه مسار المقاومة الواعي، ومن لا يستطيعون التمييز بين جبهتي المقاومة الأساسيتين هاتين، ولا يميّزون أدوات العمل والأولويات السياقية التي تتطلبها معطيات كل حالة، يفتقدون لأقل مقومات الوعي النقدي المطلوب للتأثير الإيجابي في هذه المرحلة التاريخية.
لذلك فمن الغفلة بمكان، ومما يفقد أي جهات صلاحية أن تتحدث باسم مصالح شعوبها، أن تظن أنها تحقق لشعبها طموحاته عن طريق الرضوخ للسلطة الامبريالية (ووكلائها)، والتعاون معها، من أجل أن تستقوي بها على السلطات المحلية، أو أن تقدم خطابا يساوي بين موقف مقاومة الامبريالية (والعدوان الخارجي) وبين موقف الانحياز للسلطات المحلية التي لا تمثل طموحات شعوبها.
إشارات
تقول لنا الشواهد إن هناك نذارة وبشارة: ستمضي الأمور إلى الأسوأ قبل أن تمضي إلى الأفضل. لكن ذلك لا يعني اليأس الآن، ولا يعني أن كل قرار وكل تضحية اليوم لا جدوى منهم. بل إن وقت الحرث ليس وقت الحصاد، والآن وقت الحرث، وسيأتي وقت الحصاد لاحقا؛ وسيتأخر أو يبكّر حسب ما يكون من بذل في وقت الحرث. وكل ما لا يبدأ العمل من أجله الآن لن يتجسد غدا….
حول تحكم أمريكا في تأشيرات حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة
[نشر في 23 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
قبل أيام كتبنا أنه من الغفلة بمكان، ومما يفقد أي جهات صلاحية أن تتحدث باسم مصالح شعوبها، أن تظن أنها تحقق لشعبها طموحاته عن طريق الرضوخ للسلطة الامبريالية (ووكلائها)، والتعاون معها، من أجل أن تستقوي بها على السلطات المحلية، أو أن تقدم خطابا يساوي بين موقف مقاومة الامبريالية (والعدوان الخارجي) وبين موقف الانحياز للسلطات المحلية التي لا تمثل طموحات شعوبها.
وهذه المسألة بلغت مبالغ عجيبة في الأيام الأخيرة. ذلك إذ أن المنطقة تتعرض كلها لهجوم إمبريالي شرس، ويتجاوز هذه المرة – أكثر من سابقاتها – كل الخطوط الحمراء التي وضعتها القوى الامبريالية لنفسها بنفسها. لا أعرف كيف يهلّل البعض ويتفاخر بأن له دور في قرار أمريكا منع تأشيرات لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو قرار لا يشير إلا إلى الاستهانة الامريكية المطردة بالقانون الدولي وبالاتفاقات التي ألزموا أنفسهم بها أمام العالم لعقود، لدرجة أن حتى الاتحاد الأوروبي وحتى قيادة الأمم المتحدة نفسها أدانت هذه القرارات.
الفرحانين بهذا القرار بلغوا من السذاجة السياسية مبلغا لا رجعة منه. وأقول السذاجة لأن حتى السياسيين السيئين، وحتى المتعاونين مع الامبريالية ضد بلدانهم ومجتمعاتهم، لا يجوز لهم أن يكونوا بهذه السذاجة (يعني عشان تكون وكيل نافع للامبريالية لازم تكون شاطر شوية برضو). هل يعلم هؤلاء مثلا أن الولايات المتحدة الأمريكية رفضت منح تأشيرات دخول للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية (محمود عباس ووفده) للعام الثاني على التوالي، إضافة إلى رفض منح تأشيرات لعدد من أعضاء وفد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك؟ فإن كانوا يعلمون ذلك، وما زالوا فرحانين بمنع تأشيرة دخول لعبدالفتاح البرهان، فهل يمكن وصف هذا بغير أنه سذاجة فادحة؟ فهل تقصدون، يا هؤلاء، أن يكون البرهان والوفد الفلسطيني والوفد الإيراني في قائمة واحدة معادية للإمبريالية؟ فهل مثل هذا يكون – في نظر شعوب الجنوب العالمي – غير تشريف بالنسبة للبرهان وتعيير بالنسبة للذين ساهموا في إضافته لتلك القائمة؟ أم أن هؤلاء يعيشون في عالم موازي ولا يعرفون كيف تشعر شعوب الجنوب التي هم منها؟
ثم ما رأيهم أنه، في هذه الدورة للجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن رئيس امريكا الملاحقة القانونية للمحكمة الجنائية الدولية، بغرض القضاء عليها؟ (والسبب المعروف هو ملاحقة المحكمة لمجرم الحرب نتنياهو)
ما هو مستوى السذاجة الذي ينبغي أن يبلغه المرء كيما يتفاخر بقرار كهذا من سلطة فاشية كهذه، ويحاول أن ينسبه لنفسه؟ (مع أنها سذاجة مضاعفة، أن يظن أن الناس سيصدقون أن له حقا دور في قرار كهذا). كثير من القضايا الحقيقية مرزوءة بالذين يدعون تمثيلها أكثر من الذين يعادونها.
يضاف لذلك أن هذه الهجمة الامبريالية الشرسة على المنطقة متزامنة مع الانهيار التدريجي لمركز الامبريالية – امريكا – ودخولها في فترة انحطاط وتخبط في الحكم والسياسة لا يمكن أن تتعافى منها وتعود كما كانت. فهي سذاجة أخرى أن يستجير بعضنا من الرمضاء بالنار وفي هذا الوقت الضائع.
ورغم ذلك، فلا عجب، لأن هذا زمن كل المتناقضات دفعة واحدة….
الاحتكام لتاريخ حركات التحرر الوطني
[نشر في 23 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
يمكننا أن نحتكم لتاريخ حركات التحرر الوطني، والحركات التقدمية إجمالا، بخصوص مسألتين ثابتتين في نضال الشعوب وطموحاتها التقدمية، لم تتغيّرا منذ عهد نضالات التحرر الوطني، حول العالم، وحتى اليوم:
1- الشعوب عندما يتم تهديد بقائها وكياناتها واستباحة سيادتها وأراضيها، بواسطة أي قوى خارجية أو وكلاء لتلك القوى، فإنها – أي الشعوب – تنهض وتقف ضد ذلك التهديد الوجودي، برغم تناقضاتها الداخلية وصراعاتها المحلية. ولا يمكن أن توصف الشعوب التي تدافع عن سيادتها وأراضيها وحيوات أبنائها بأنها فقط تدافع عن نظام الحكم المحلي القائم.
2- حتى عندما تفشل الشعوب في بعض معارك نضالها ضد النظم الشمولية المحلية، فإنها تواصل النضال التحرري ولا تقف، ولا تجعل اليأس في التغيير يدب فيها، إنما تفهم أنها خسرت المعركة ولم تخسر الحرب، لكنها لا تقوم أبدا باتخاذ تلك الخسارة المؤقتة تبريرا للاستجارة بقوى خارجية طامعة لتسلّمها أراضيها وسيادتها ومؤسساتها مقابل أن تتخلص لهم من النظام الشمولي المحلي. لا منطق تحرري في ذلك لأنه استجارة من الرمضاء بالنار، ولأنه استبدال لطاغية بطاغية أكبر وأشرس وأدوَم خطرا وضررا.
——–
‘عملية التحرر الوطني، بالنسبة للشعوب، هي استعادة الشخصية التاريخية لتلك الشعوب.’
—أملكار كابرال
المقاومة المحلية والتحرر الوطني حق الشعوب
[نشر في 23 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
المقاومة المحلية والتحرر الوطني حق الشعوب، موش حق السلطات المحلية.
السلطات المحلية أحيانا قد تكون وطنية وتقدمية، وأحيانا قد لا تكون. لكن في حميع الأحوال ما ممكن الشعب يحرد دولته وأرضه وسيادته للمعتدي الخارجي عشان عنده ثأر مع السلطة المحلية. ده نفسه كلام أهلنا: “الفش غبينته خرب مدينته.”
الشعوب تقاوم العدوان الخارجي حتى لو كانت السلطة المحلية ليست في مستوى تلك المقاومة. وفي نماذج متعددة من حول العالم. نديكم واحد من أوروبا: حكومة فيشي الفرنسية، في الحرب العالمية الثانية.
——-
نظام فيشي” هو السلطة التي حكمت فرنسا برئاسة المارشال “بيتان” بعد هزيمتها أمام النازيين عام 1940. اتسم النظام بالشمولية والتشدد داخليا، ففرض قيودا كبيرة وعنيفة على الفرنسيين داخليا (وكانت قيودا محافظة وقريبة للكنيسة الكاثوليكية ومعلية للقيم التقليدية والقومية المتطرفة ورافضة للعلمانية والديمقراطية، فكانت في كل ذلك نموذجا لنظم الحكم والتوجهات السياسية المألوفة في منطقتنا من الجنوب العالمي)، بينما خارجيا قبل نظام فيشي “التعاون” مع ألمانيا مقابل الحفاظ على سيادة اسمية لفرنسا على الأجزاء غير المحتلة (الجنوب) ومستعمراتها، فيما اعتبر “مساومة بقاء” لمنع ابتلاع الدولة بالكامل.
رغم فقدان نظام فيشي للدعم الشعبي بسبب قمع المعارضين وسياساته المتطرفة (ورغم فقدانه للشرعية عمليا كذلك باعتباره ليس نظاما منتخبا)، إلا أن وجوده قانونياً حال دون انتقال تبعية المستعمرات الفرنسية تلقائياً لألمانيا، وسهّل لاحقاً مهمة استعادة كامل التراب الفرنسي بواسطة المحاربين الفرنسيين وقوات الحلفاء. ومع أن قادة فيشي واجهوا محاكمات بتهمة الخيانة بعد التحرير، إلا أن الوعي الجمعي الفرنسي والتقديرات السياسية آنذاك مالت لتخفيف العقوبات عملياً؛ إدراكاً بأن قراراتهم -رغم مرارتها- حافظت على كيان الدولة في ظرف تاريخي استثنائي كان البديل فيه هو زوال فرنسا (لأجَلٍ لم يكن معروفا وقتها).
تظل تجربة “فيشي” درساً تاريخياً في فقه الأولويات وحسابات الضرورة تحت وطأة الاحتلال أو العدوان الأجنبي المستمر. وكأن جميع خطايا نظام فيشي لم تجعل الشعب الفرنسي ينسى أنه حافظ على الدولة في فترة تاريخية حرجة، وبذلك خدم الفرنسيين خدمة كبيرة رغم كل شيء. وكأن نظام فيشي رغم سوئه الكبير، بالنسبة للفرنسيين، إلا أنه ليس أسوأ من ابتلاع الدولة الفرنسية كاملة، وهو الأمر الذي حال نظام فيشي دونه.
وكذلك ففي جُعبة التاريخ البشري قصص كثيرة تشحذ التدبّر في المسائل وتساعدنا في استيعاب الأولويات [هناك أيضا قصة الصراع العنيف بين الشيوعيين الصينيين والقوميين الصينيين، في النصف الأول من القرن العشرين، ثم اتحادهم معا ضد العدوان الأجنبي الياباني، ثم عودتهم لمواصلة صراعهم الداخلي بعد انتصارهم معا على العدوان الأجنبي وطرده]. وليس الغرض من تلك القصص التاريخية أن نقبلها قبولا كاملا أو نقلدها، وإنما لكي تفيد حساباتنا ببيانات ودروس ومقاربات نقدية تساعد قراراتنا الحاضرة والمستقبلية…. وللحديث شجون.
دروس المشاريع الثورية السابقة
[نشر في 23 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
ما نقوله، ونواجهه، في مثل هذه الظروف التاريخية، يستند في أصله على تراث تركته لنا المشاريع الثورية السابقة في التاريخ. ومن أهم تلك المشاريع حركات التحرر الوطني (في افريقيا وغيرها).
مثلا، من المؤكد أن الشعوب المستعمرة كانت تناضل الاستعمار وتكرهه، فهو عدو صريح لها. لكن أثناء نضال شعوب افريقيا وآسيا ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والبرتغالي (والامريكي كذلك، بصورة غير مباشرة)، ظهرت الحركة الفاشية ثم ظهرت بعدها بفترة بسيطة الحركة النازية، وتحالف الفاشيون والنازيون (وهم في الأصل واحد، فهتلر تلميذ لموسوليني تفوق على أستاذه)، وصاروا هم أيضا قوة استعمارية جديدة ولديهم طموح لنظام عالمي استعماري جديد يشبههم.
لم تقل حركات التحرر الوطني، المناهضة للاستعمار البريطاني والفرنسي والبرتغالي، إن “عدو عدوي هو حليفي” فينبغي إذن أن ننضم إلى الفاشيين والنازيين في حربهم ضد البريطانيين والفرنسيين، بل عبر تحليل بسيط ورؤية سياسية حصيفة خلصت معظم حركات التحرر الوطني إلى أن الفاشية والنازية خطر جديد وأكبر، وأنهم أنفسهم نتيجة من نتائج النظام الاستعماري الرأسمالي وأسوأ مواليده، وبالتالي يجب الوقوف ضد النازية والفاشية ودحرهما بقوة.
وعبر هذا الموقف وجدت حركات التحرر الوطني نفسها تحمل نفس الهدف الذي تحمله دول الاستعمار البريطاني والفرنسي والبرتغالي، رغم أن هذه النظم الاستعمارية هي عدوتها الأولى والقديمة أصلا.
بعد التخلص من خطر النازية والفاشية، استمر النضال ضد الاستعمار ولم يتوقف، إلى أن تحقق استقلال القارة السياسي كاملا. [ورغم أن عملية تصفية الاستعمار، والتخلص من بقاياه، لم تنته حقا وما زالت مستمرة، لكن الوصول للاستقلال السياسي الكامل لم يكن نزهة، بل حصل نتيجة نضال جاد وطويل ومثابر].
لم تتخندق حركات التحرر الوطني مع النظم الفاشية باعتبار “عدو عدوي هو حليفي”، بل من الواضح أن النازيين لو كانوا انتصروا على الحلفاء لكانت أوضاع العالم إجمالا ستمضي إلى مراحل أكثر ظلمة وأكثر صعوبة في المقاومة والتحرر للشعوب المحتلة/المستعمرة. علاوة على أن الحرب بين الحلفاء وبين النازيين/الفاشيين لو كانت طالت فإن أكبر من يدفع الثمن في الخسائر كانت الشعوب، خاصة الشعوب المستضعفة مسبقا في المناطق المستعمرة، في افريقيا وآسيا.
وفق ذلك كان خيار حركات التحرر الوطني سليما، ثوريا وحكيما معا….
——–
[مقتبس من الفصل الثاني من كتاب “ممكنات السودان”، 2026، الخرطوم: دار المصورات]
نموذج تاريخي آخر، ودرس جديد:
الحرب الأهلية الصينية وحرب اليابان
[نشر في 24 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
قلنا من قبل إن للصين خصائص، ومسار تاريخي، لا يمكن استنساخه في أي مكان آخر في الأرض، لكن لدينا أسباب كثيرة ومتراكمة للتعمق في قصة الصين واستخلاص الكثير من الدروس المفيدة لنا منها. قصة الصين الحديثة متفردة في التاريخ البشري قاطبة، ففي حوالي نصف قرن تحولت من بلد فقير ومثقل، في بدايات القرن العشرين، وعبر طفرة تنموية واقتصادية فلكية، إلى “مصنع العالم” الآن (حيث تنتج الصين وحدها ما يعادل ثلث إنتاج العالم من البضائع المصنوعة إجمالا، أكثر من أي دولة أخرى في العالم)، كما قامت بإخراج حوالي 800 مليون نسمة من تحت خط الفقر، ومثلهم تقريبا من تخت خط الجوع، وهي إنجازات محسوسة لا توجد إمكانية لمقارنتها بأرقام أي بلد أخرى في التاريخ الموثق. الصين حاليا هي أغنى دولة في العالم – بفارق كبير – من حيث الناتج الإجمالي المحلي تعادل القوة الشرائية (PPP) – وهو المعيار الذي يُعتبر الأهم في أثره على حياة الناس الاقتصادية – وثاني أغنى دولة في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي العام وفق أسعار الصرف السوقية، كما هي الدولة التي تنتج الآن أعلى عدد سنوي من براءات الاختراع، وهي الدولة الأكثر استقلالا تكنولوجيا في العالم (حيث أنها تنتج كل شيء محليا من قلم الرصاص حتى الصاروخ الفضائي). ذلك مع اعتبار أن تعداد سكان الصين يكاد يعادل تعداد سكان القارة الافريقية جميعا.
ورغم التحديات المستمرة، والمشاكل المفهومة، لا يظن عاقل أن الصين حققت هذه الإنجازات بمجرد ضربة حظ. وتاريخها في رصد المراحل الصعبة، والقرارات الصعبة، ثم الثبات على بعضها بقوة والمرونة بخصوص بعضها الآخر، كل هذا يعتبر كنزا تاريخيا من الدروس المفيدة لكل شعوب وبلدان الجنوب العالمي.
ولعل من أهم دروس الصين الحديثة أنها، رغم وصفها بالشيوعية، ورغم حصول طفرتها الاقتصادية تحت حكم الحزب الشيوعي الصيني، إلا أن التجربة الشيوعية الصينية توطنت بصورة كبيرة مع الموروث المحلي الصيني، الذي يعلي من قيمة “الأمة” الصينية ووحدتها (وصحيح أنه قد حصلت اشتباكات ونزاعات كبيرة مع الموروث الصيني التقليدي في العهد الشيوعي، لكن تلك الاشتباكات أدت إلى تطور محلي بخصائص صينية وليس إلى التنازل عن الخصائص الصينية كلها دفعة واحدة). عندما نتعرض للأدبيات الصينية المتراكمة في مسائل الحكم والاقتصاد المحلي، نجد أن كل مرحلة صغرى، داخل هذه المرحلة الكبرى الأخيرة، تميزت بمستوى من الاهتمام بتأكيد “الشخصية التاريخية” [حسب تعبير كابرال] للشعب الصيني ولنظمه المحلية، وأن هذا التأكيد كان دوما قضية جادة، باعتباره لُحمة تاريخية لم يكتسبها الصينيون عبثا ولن يتنازلوا عنها ببساطة.

ومن أقوى دروس الصين، لشعوب وبلدان الجنوب، قصة الالتزام بوحدة الجبهة الداخلية أمام العدوان الخارجي، حتى عندما يكون الصراع الداخلي في مستوى بعيد من العنف والغبن وضعف الثقة. تُعد الحرب الأهلية الصينية (1946–1949) من أكثر الصراعات الداخلية دموية في التاريخ الحديث، وهي جاءت في أعقاب حرب المقاومة ضد الاحتلال الياباني (1937–1945). تقدم هذه الحرب درسا مفصلا حول أولوية وحدة الجبهة الداخلية أمام العدوان الخارجي، حتى في ظل عداء داخلي عميق.
تبدأ القصة هكذا: منذ عام 1927، انخرط حزب الكومينتانق (القوميون الصينيون) والحزب الشيوعي الصيني في صراع عنيف للسيطرة على البلاد. بعد الحملة الشمالية، انقلب تشيانق كاي شيك (قائد القوميين الصينيين) على حلفائه الشيوعيين وشن حملات عسكرية متكررة لإبادتهم، مما دفع الشيوعيين إلى المسيرة الطويلة (1934–1936) هرباً من الحصار. بلغ العداء بين الطرفين حداً جعل تشيانق يصرح بأن “اليابانيين مرض جلدي، أما الشيوعيون فهم مرض قلبي.”
لكن غيّر الغزو الياباني الشامل للصين عام 1937 المعادلة والحسابات تماما. عندما واجهت الصين خطراً وجودياً تمثل في الاحتلال الأجنبي الذي هدد سيادتها الوطنية، وتحت ضغط الرأي العام الشعبي/المحلي والتهديد الياباني المباشر، أُجبر الطرفان – الشيوعيون والقوميون – على تشكيل “الجبهة المتحدة الثانية” لمقاومة العدو المشترك. نصّ هذا التحالف المؤقت على وقف الصراع الداخلي وتوحيد الجهود ضد اليابان. عندها لعبت القوات الوطنية التابعة للكومينتانق دوراً رئيسياً في المعارك التقليدية على الجبهة الأمامية بينما ركّزت القوات الشيوعية على حرب العصابات خلف خطوط العدو. كان لهذا التكامل في الأدوار أثرا كبيرا، إذ أرهق القوات اليابانية وشتّت قدراتها، ما قاد لاستنزافها وهزيمتها النهائية في 1945.
ثم بعد استسلام اليابان، سرعان ما انهار التحالف بين الشيوعيين والقوميين، أو بالأحرى سرعان ما عادوا لتصفية صراعهم الداخلي. بيد أنه في هذه المرة تغيرت موازين القوى بصورة كبيرة، إذ خرج الحزب الشيوعي من الحرب أقوى عسكرياً وبرصيد سياسي وشعبي أكبر، بينما أنهكت الحرب الكومينتانق واستنزفته سنوات الفساد الإداري.
وبعد حرب ضروس، لم يستطع القوميون تحقيق النصر الحاسم الذي كانوا يرجونه، إذ قلبت القوات الشيوعية الطاولة، وانتقلت من الدفاع إلى الهجوم، محققة انتصارات حاسمة في معارك متعددة. وفي أبريل 1949، سقطت العاصمة الوطنية نانجينق، وانهارت حكومة الكومينتانق. وبدأت وقتها الحقبة الشيوعية في حكم دولة الصين، تلك الدولة الأقدم تاريخيا—إذ أن رصيدها التاريخي يظهر استمرارا تاريخيا غير منقطع في الحكم المحلي لآلاف السنين [رغم أنه مرّ بمراحل متعددة، ومنها مراحل تاريخية قديمة تم فيها استيعاب غزاة خارجيين – كالمغول – و”تصيينهم” بدل العكس].
ثم حتى داخل الحزب الشيوعي نفسه، حصلت صراعات داخلية، خرج منها أحد أقل القيادات الحزبية فرصة في الحكم وقتها (وأكثرهم مخاطرة ميدانية واقترابا من الفلاحين) – ماوتسي تونق – في الصدارة، والذي صار بعضها رمزا عالميا للشيوعية الصينية، وحتى الآن يمكن المحاججة بأنه أكثر شخصية تاريخية أثرا في القرن العشرين على الكوكب؛ لكن تلك قصة أخرى.
—-
يُظهر هذا الفصل من التاريخ الصيني أن السيادة الوطنية والوحدة الداخلية قيمتان يمكن أن يفوق التمسك بهما أعمق الصراعات الداخلية، وأن ذلك التمسك ليس بدون مبررات، بل هو في عمق المصالح الاستراتيجية لجملة الشعب وسيادته وأمنه وتقدمه، على المدى البعيد. عندما واجهت الصين تهديداً خارجياً وجودياً، أثبت التحالف المؤقت بين خصمين لدودين أنه كان ضرورة استراتيجية لصد العدوان. لكن حتى ذلك التحالف المؤقت، الفعّال، لم يعف الصين من مسار إكمال صراعها الداخلي لنهاياته المنطقية بعد زوال التهديد الوجودي المشترك…. وللحديث شجون.
كيف نقرأ التاريخ
[نشر في 24 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
هناك من لا يعرفون التاريخ، ولا يكترثون به، فهؤلاء يكررون تجارب التاريخ (خصوصا الأخطاء) لأنهم لم يتعلموا من دروسه.
وهناك من يهمهم التاريخ، بما يجعلهم يصبحون تلاميذ له، يتعلمون منه الكثير من الدروس ويلحظونها ويهتدون بها في واقعهم.
وهناك من يعرفون بعض التاريخ، ويكترثون به إلى حد ما، بما يجعلهم يستخدمونه انتقائيا لخدمة أجندتهم بينما لا يتعلمون منه كثيرا.
ثم هناك من يهمهم التاريخ كثيرا، بما يجعلهم يتعلمون منه باستفاضة، ثم ينخرطون معه في جدلية “التقاء قوى الماضي بقوى المستقبل” في معمل الحاضر، فيتعلمون الكثير من الدروس من التاريخ لكنهم لا ينحصرون فيه، لأنهم أدركوا أن الحاضر وابتداراته هو نفسه “تاريخ” عند المستقبل، فصناعة التاريخ تتضمن التعلّم منه والإضافة له كذلك….
مناهضة الإمبريالية مفتاح التحرر
[نشر في 24 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
في ناس، بعد نهاية البوست ده [إذا قروه لغاية النهاية، بكامل اختيارهم] حيقولوا: بالله شوف ليون تروتسكي الروسي الماركسي طلع فاشي!
(ولا عزاء لأي حاجة، فهذا زمن الوجبات السريعة والتصنيفات السريعة)
لكن عموما، سنفتتح هذا البوست بنوتة افتتاحية، كتبناها في بوست سابق، قبل حوالي سنتين:
[نصيحة استباقية: بالنسبة للذين لا يحسنون التعامل مع الأوضاع السياسية الراهنة، المعقدة والخطيرة، في السودان، إلا وفق التصنيفات الاختزالية الكسولة الجاهزة إلى معسكرين ذوي مواقف مبسّطة وصماء يعبّرون عنها بكلمتين أو بصفتين وخلاص نملأ المنصات والوسائط بالتهم والتهييج، من الخير لكم ولنا أن تتجاوزوا هذا المكتوب ولا تعيروه اهتماما، فلن نجني من ذلك شيئا ولا أحد يريد الحرث في أرض جرداء…. هذه فقط نصيحة وليست وصاية]
——–
في 1938، أجري لقاء صحفي مع ليون تروتسكي، بعنوان “مناهضة الإمبريالية مفتاح التحرر”. نص اللقاء كاملا متوفر في موقع أرشيف الماركسية الألكتروني (الوصلة في أول تعليق).
يهمنا من ذلك اللقاء ترجمة فقرة مهمة، قال فيها تروتسكي:
“في بلدان أمريكا اللاتينية، يُعدّ عملاء الإمبريالية «الديمقراطية» أخطر بشكل خاص، لأنهم أقدر على خداع الجماهير من العملاء العلنيين للعصابات الفاشية.
سآخذ أبسط الأمثلة وأوضحها. في البرازيل يسود الآن نظام شبه فاشي لا يمكن لكل ثوري إلا أن ينظر إليه بكراهية. لنفترض، مع ذلك، أن إنجلترا دخلت في الغد في نزاع عسكري مع البرازيل. أسألكم: في أي جانب من النزاع ستكون الطبقة العاملة؟
سأجيب عن نفسي شخصياً — في هذه الحالة سأكون في جانب البرازيل «الفاشية» ضد بريطانيا «الديمقراطية». لماذا؟ لأن النزاع بينهما لن يكون مسألة ديمقراطية أو فاشية. إذا انتصرت إنجلترا، فستضع فاشياً آخر في ريو دي جانيرو وستضع سلاسل مضاعفة على البرازيل. أما إذا انتصرت البرازيل، على العكس، فسيعطي ذلك دفعة هائلة للوعي الوطني والديمقراطي في البلاد وسيؤدي إلى الإطاحة بديكتاتورية فارغاس. وهزيمة إنجلترا في الوقت نفسه ستوجّه ضربة للإمبريالية البريطانية وستعطي دفعة للحراك الثوري للبروليتاريا البريطانية.
حقاً، يجب أن يكون المرء فارغ الرأس ليختزل التناقضات العالمية والنزاعات العسكرية إلى صراع بين الفاشية والديمقراطية. تحت كل الأقنعة يجب أن يعرف المرء كيف يميّز المستغِلّين ومُلاك العبيد وقُطّاع الطرق!”
——–
بالنسبة لبعض الناس اللي صبروا شديد على نفسهم ووصلوا في قراية البوست لغاية الحتة دي: معليش تعّبناك، ممكن تمشي من هنا طوالي للتعليقات وتخت عبارتك المفضلة: “خسارة طلعت بلبوسي” وتواصل يومك الحافل بما هو مفيد، لا تثريب عليك.
بالنسبة للباقين: معليش برضو، لكن نواصل….
——–
كثير من زملائنا الكرام في اليسار العريض يتحدثون دوما عن الدايلكتيك، لكن نادرا ما يتحدثون معه. وكما قال لينين في وصف الكثير من قادة البلاشفة، في كتاباته الخاصة عنهم: “أشك أنهم يفهمون الدايلكتيك” (سواء قبلنا رأي لينين ذلك فيهم أم لا)، فكما نرى فإن الحديث مع الدايلكتيك حديث صعب، يحتاج لتأني لا يطيقه الجميع؛ خصوصا الناس العاوزة النتايج واضحة: الهلال كم والمريخ كم!
أو كما قيل: أنت لست بحاجة لأن تكون مؤيدا ومواليا للسلطة المحلية المؤقتة، ولست بحاجة لأن تكون على ثقة بها، كيما تدرك أن العدوان الخارجي على بلدك ليس عدوانا على تلك السلطة باختصار وإنما عليك أنت وعلى مكتسباتك التاريخية، ويسبب لك أنت الضرر ويخرب عليك أنت مسارك النضالي واستمرارية قصتك التحررية التي تكتبها بخط يدك.
أو كما قال صديقنا (بتصرف): نظم الحكم المحلية الشمولية والمنافية للحريات والعدالة تغتصب منا جملة حقوق، لكن هذه الحقوق قابلة للاستعادة بالنضال (كما جرّبنا وكما جرّبت جملة شعوب الأرض). أما الغزاة فيهددون وجود الوطن نفسه، والسيادة المحلية نفسها، وإذا ضاع هؤلاء تحت رماح الغزاة (ومسيّراتهم وإباداتهم الجماعية) فلا يمكن استعادتهم [إلا بنضال أوسع وأطول وأكثر تضحيات]. قد يبقى الوطن قائماً في ظل نظام حكم مكروه ومستبد، وليس ذلك هو المطلوب لكنه يسمح ببقاء وعاء العمل الثوري لأجل التغيير الأصيل، لكن ضياع ذلك الوعاء الموضوعي نفسه – الوطن – يعني ضياع إمكانية المدنية والديمقراطية والحرية والعدالة معاً، ولأمد طويل. وبناءً على ذلك، فإن وجود السيادة المحلية شرط سابق لحصول التنمية والديمقراطية والعدالة…. [زمان لخصنا القصة دي بأنك بحاجة لأن يكون عندك زير في الأول عشان تشرب موية زير].
موقف قديم
[نشر في 25 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
موقفنا قديم، كتبنا عنه وفصّلنا فيه مرارا، عبر السنوات الماضية. هذا مثلا ما كتبناه في أبريل ٢٠٢٤:
“….الموضوع يمكن النظر له هكذا: حتى عندما يكون لديك عدوّان، ليس أحدهما بأفضل من الثاني في السوء الإجمالي، أنت ما زلت بحاجة لاستراتيجيات مختلفة مع كل واحد فيهما حسب نوعية العدو وحسب أدواته وحسب أهدافه معك…. كون الاثنين سيئين موش معناه انك تتعامل معاهم زي بعض تماما، موش لأنه ده فيه ظلم ليهم هم (الاثنين يطيروا) إنما لأنه ده موش في مصلحتك أنت ومصلحة ناسك. لا يصح أن نهدم البيت على الجميع، بمن فيه نحن أنفسنا، عشان حردانين وصبرنا نفد. (وطبعا ليس الجميع الذين يرون غير ما نرى حردانين، لكن الكثير منهم يجسدون درجات متفاوتة من الحردان ونفاد الحيلة)….
ذلك لأننا، بينما نفهم أن مؤسسة الدولة العصرية ليست بريئة هيكليا من محركات الاستغلال – استغلال طبقات ممتازة لطبقات كادحة داخل المجتمع، واستغلال قوى امبريالية/نيوكولونيالية لوكلائها المحليين في دولة ما بعد الاستعمار – إلا أن ذلك الفهم لصفة من صفات الدولة العصرية لا يُعتبر فتحا في حد ذاته، ما لم يساعد على تطوير أدوات نقدية، دايلكتيكية، للتعامل مع الدولة العصرية، أي الأدوات التي تموضعنا في السياق التاريخي لنستعمل معطياته من أجل خلق ظروف مستقبل أفضل–أي نستعمل الدولة العصرية كأحد تراكمات الحداثة والتحديث حتى نطوّر قدرات إدارية/تنظيمية وتكنولوجية/صناعية أفضل للشعوب يمكنها عبرها أن تعيش حياة أكرم كما يمكنها مستقبلا تجاوز نموذج الدولة العصرية نفسه، يوما ما. بدون تلك الأدوات النقدية (والدايلكتيكية) يمكننا أن نخلط بين فهم الظاهرة (الدولة العصرية) وبين مجرد الشكوى والتذمر منها (ذلك التذمّر الذي يفقدنا الحكمة الثورية في استعمال معطيات الواقع من أجل تغيير الواقع).
كتبنا كثيرا عن أهمية منظومة الدولة العصرية بالنسبة للشعوب التي تعيش في السياق التاريخي الحالي، فالدولة العصرية هي الإطار الأنجع، حتى الآن، الذي تستطيع الشعوب عبره أن تسعى للحيازة على أكبر قدر ممكن من فوائد عصر الحداثة – فوائده “التحديثية” التكنولوجية والاقتصادية والمعرفية والإنسانية – كما تسعى عبره لاستخدام أدوات التنظيم الشعبي لمقاومة تمددات الاستغلال والسلطة التي هي أيضا من أعراض عصر الحداثة (فعصر الحداثة، كسابقيه، عصر متناقض وديلكتيكي).
تعرضنا لهذا الأمر مرارا في كتابات سابقة، لكن يمكن أن نشير إلى مقالة ‘الدولة العصرية والسودان: لا بريدك ولا بحمل بلاك’ التي نشرناها في منتصف مايو 2023، كنموذج موجز.
القصة أقرب لأنك تفضّل الحياة في ظل حكومة شمولية قاهرة من أنك تفضّل الحياة في مناطق سيطرة عصابة مافيا وانسحاب الحكومة. الحكومة الشمولية القاهرة عدو لك لكن أدوات مقاومتك لها متوفرة في الحد الأدنى وأنت بإمكانك أن تستعملها من أجل أن تواصل النضال وتسقطها ثوريا وتستعيد دولتك ومكتسباتك عبرها، بينما في مناطق سيطرة المافيا أنت لا تملك أي أدوات مقاومة بخلاف المخاطرات الفوضوية التي خلقت شروطها المافيا نفسها. المفاضلة إذن مفاضلة استراتيجية….”
ثُم.. حول الموقف من تحالف تأسيس
[نشر في 25 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
نستفتح هذا الحديث بما قاله جون قرنق، في ورقة قدمها في المؤتمر السابع عشر لعموم الطلبة الافارقة (ويندهوك، ناميبيا)، أواخر مايو 2005 (وهي تقريبا آخر ما كتبه ونشره أثناء حياته):
“من الضروري أن نؤكد – وأن يذكّر السودانيون أنفسهم – أننا شعب تاريخي، لأن هناك جهودًا متواصلة ومتعمدة لدفعنا خارج مسار التاريخ.”
——–
وبعد، فمفهوم جدا أن البعض تساءل من موقفي من تحالف تأسيس، باعتبار موقفي القديم، الإيجابي والمناصر (إجمالا)، للحركة الشعبية لتحرير السودان ولرؤية السودان الجديد، خصوصا في نسختها “التأسيسية” التي تصف فترة قيادة جون قرنق (والذي أعتبره طودا سودانيا وافريقيا، ومن رموز الجيل الرابع للحركة الافروعمومية).
وفي الواقع أني قد كتبت مبكرا عن موقفي مما سمي بتحالف تأسيس. أول كتابة صدرت في أول مارس 2025 – أي بعد بضعة أسابيع فقط من مهرجان نيروبي (فبراير 2025) – بعنوان “صفقة 2025 ومضاعفة الثمن.” وأعترف أني احتجت لبعض الوقت لكي أفهم معنى وتداعيات تلك الصفقة، قبل أن أكتب عنها، كما أعترف أنها، حتى الآن، أكثر حدث خالف توقعاتي العامة–تحديدا توقعاتي من مستوى الوعي النقدي لدى القيادات السياسية والفكرية للحركة الشعبية. أيضا، نشرت في هذا الشهر مقالا بعنوان “تأملات في الحرب والسياسة: امتحانات وإشارات” تناول جانبا من الأمر. [روابط المقالات في التعليقات].
ثم مؤخرا، وعبر النقاشات التي تولدت من مقالات اليومين السابقين، عدنا لتناول هذا الأمر. وفي تلك النقاشات وضّحت أني لا أنظر إلى “تأسيس” إلا باعتبارها الدعم السريع نفسه (والطريف أن جملة المؤسسات الإعلامية والدبلوماسية حول العالم لا تميّز كثيرا بين تأسيس وبين الدعم السريع، فهي عادة تقول الدعم السريع فحسب)؛ فقط تأسيس هي الدعم السريع بعد أن ضم إليه، تحت جناحه، الحركة الشعبية ومجموعات أخرى، بعضها حركات مسلحة صغيرة وبعضها مكوّنات وشخصيات متشاكسة اجتمعت فقط على قبول قيادة الدعم السريع (تحديدا قيادة آل دقلو) لها. معظم تلك الجماعات قبلت بقيادة الدعم السريع ظنّا منها أنها تركب في المركب القادم للسلطة على السودان، كما أن معظم تلك الجماعات لم تكن صديقة للحركة الشعبية ولا مناصرة لها قبل تأسيس؛ وأما الحركة الشعبية فقبلت بتلك القيادة لحسابات مختلفة نسبيا، لكنها في النهاية حسابات خاطئة جدا (وأعتقد أن بعض كوادر الحركة، في شتى المستويات، انتبهوا لخطأ تلك الحسابات عبر التجربة، بعد التحالف)، كما أحسب أن وراء الأمر “صفقة” لم نعرف تفاصيلها بعد. فتأسيس في الواقع ليس “تحالفا” بالمعنى المباشر، إنما هو مشروع احتواء حاول إعطاء الدعم السريع وجه منظومة سياسية جادة، وهيهات، فالدعم السريع لا تنطبق عليه حتى شروط تعريف الحركة السياسية المسلحة في أقل مرتباتها.
——–
باختصار، إجابتي في النقاشات الأخيرة، في اليومين السابقين، أتت كالآتي:
الحركة الشعبية دائما كنا نصفها بأنها حركة تحررية وأنها ذات شرعية، فهي حركة سياسية ذات مظالم حقيقية وبرنامج سياسي واضح وحاضنة محلية حقيقية، ثم هي صاحبة جناح عسكري. وهذا وضع مفهوم.
والدعم السريع ظللنا دائما نصفه بأنه مجموعة مرتزقة شكّلتها السلطة المركزية لتكون سلاحهم ضد شعوب الهامش التي انتفضت على السلطة المركزية. ثم تطورت هذه المجموعة حتى صارت إقطاعية تملكها أسرة، وهذه الأسرة نفسها أصبحت مرهونة بالكامل لسلطة خارجية.
لذلك ليست هناك علاقة منطقية بين حركة سياسية مسلحة، مثل الحركة الشعبية، وبين إقطاعية رجعية ودموية ومرهونة للخارج، هي الدعم السريع. ولذلك قلنا إن الحركة الشعبية ارتكبت أكبر خطأ في سيرتها النضالية عبر التحالف مع الدعم السريع. والأمر الأسوأ أنها لم تتحالف مع الدعم السريع تحالفا متساويا بل هي في الحقيقة انضوت تحت الدعم السريع. وهي أسوأ صفقة سياسية ربما حصلت في تاريخ السودان الحديث.
لكن ما زالت الحركة الشعبية لديها فرصة (ضئيلة) لكي تستعيد وضعها المنطقي، وتراجع هذه الصفقة المميتة، قبل فوات الأوان.
تذكرة تواضع، ومعيار الصدق
[نشر في 25 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
وفي الحقيقة، ندرك تماما أن بعضنا لديهم مواقف مختلفة من مواقفنا، لكن مواقف محترمة ومبنية على تعب في التفكير وصدق في النظر لآفاق الحلول. وبنتعامل معاهم بما يستحقونه من احترام. [علاوة على أننا عموما نحاول تجنب شخصنة القضايا العامة، قدر الإمكان والمعقول]
وعارفين اننا لا نملك صك الحقيقة والرأي الصواب، إنما نتحرك ونتكلم وفق ما نصل له من خلاصات نتوخى فيها سعة التعلّم والمقاربة ثم الصدق في الموقف. ولذلك فعندما نصل لخلاصة، بنحاول نكون مخلصين ليها، مهما كانت انطباعات الآخرين وردود أفعالهم.
كمثال لذلك: قبل سنتين، قناة سودان بكرة عملت سلسلة لقاءات منفردة مع عدد من الأسماء المشتغلة في الشأن العام السوداني، وكان موضوع سلسلة اللقاءات هو: ما هو الموقف الثوري من الدولة؟ (ومعاه أسئلة متفرعة من السؤال الأساسي ده). في مرة من مرات الاختلاف البسيطة، والنادرة، بين المرحومة مزن النيل وبين شخصي، وفي عز اشتغالنا على الأعمال والمشاريع المشتركة بيناتنا، رسّلت لي رسالة بسيطة، بعد ما شافت تسجيل اللقاء بتاعي مع سودان بكرة (وهو جاء بعد اللقاء بتاعها).
قالت لي في الرسالة (باختصار): ‘حلقتك كانت ممتازة مع حسام. أفتكر انك قدرت تقدم مرافعتك بأوضح صورة حتى الآن، رغم انه كان واضح انك ما قدمت كل التفاصيل العاوز تقولها.’ ومن ناحيتي قلت ليها انه رأيها بالتحديد من أهم الآراء عندي في هذه المسألة.
وحاليا بذكّر نفسي: احتمال تكون مزن صاح، وأكون انا غلط. مافي ضمانات يقينية. واحتمال برضو حاجات من اللي نحن الاتنين اتفقنا حولها تطلع غير صحيحة، او غير دقيقة. لسنا مطالبين بادعاء معرفة الحقيقة الخالصة؛ لكني مُلزَم بمشهدي وبخلاصتي، والعمل وفقهم بصدق، لا وفق طمع أو خوف؛ وكل واحد فينا مُلزَم نفس الإلزام.
فلينظُر كل واحد بيننا أين موقعه من هذا المعيار.
ومع اصطحاب الخيال والتعاطف
[نشر في 26 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
أبدا لا يمكن التقليل من حجم المآسي والقهر، والقتل والظلم والانتهاك، الذي حصل لشعوب السودان عبر سنوات الحكم الوطني الفاسد والناقص (ناقص حتى في وطنيته). وبالتأكيد فبعض شعوب السودان نالت قسطا أكبر بكثير من غيرها من ذلك الحجم. لا مجال للتقليل من تلك الأهوال إلا لمن قلّت قدرته على الخيال وعلى التعاطف. ولذلك فلا بد من التفهم العميق لجملة الحالة الرافضة والنافرة من مجرد تحمّل فكرة توحيد الجبهة الداخلية ضد العدوان الأجنبي في حرب الوكالة هذه. هذه المشاعر لم تأت من فراغ.
الشيء الذي يضيفه التعلم من التاريخ، لهذه المشاعر المشروعة والمتراكمة، هو فهم الصورة الكبيرة. مثلا:
- الامريكان الذين ماتوا مقتولين في الحرب الأهلية الامريكية أكتر من الامريكان الذين ماتوا في جميع الحروب الأخرى، بما فيها الحربين “العالميتين”. أي أن الأمريكان قتل بعضهم بعضا أكثر بكثير مما قاتلوا الآخرين. وطبعا بالإضافة لذلك فتاريخ أمريكا مليء بالإبادة الجماعية للسكان الأصليين، والعنصرية والاستغلال والاستعباد للمخطوفين من القارة الافريقية، بصورة تجعل الولايات المتحدة متميزة في التاريخ البشري كله؛ لكن عندما نتحدث عن أمريكا اليوم نكاد لا نأتي لسيرة هذا التاريخ.
- والأوروبيون، في حربيهم “العالميتين”، قتل بعضهم بعضا بعشرات الملايين، أكتر من تعداد سكان السودان كله (بحساب القرن العشرين) ثم زيادة عشرة عشرين مليون. لكن الآن يتحدث الكثيرون عن أوروبا باعتبارها النموذج العالمي للسلام والحرية والتعايش.
- والصينيون كذلك، قتل بعضهم بعضا بالملايين كذلك، إذ أن الحرب الأهلية الصينية كانت شيئا مرعبا، ولحقتها مجاعات وأهوال كذلك. ثم بعد ذلك، وبصعوبة كبيرة جدا، اقتضت مثابرة وعزيمة، رغم كل التحديات، بدأ خط صعودهم لدرجة أن صاروا اليوم، خلال نصف قرن، أقوى اقتصاد في العالم (ببعض الحسابات) وأكثر دولة مستقلة تكنولوجيا في العالم، وكمان مصنع العام (حيث تتم فيها صناعة ثلث منتجات العالم كله).
وفي كل هذه النماذج التاريخية، وغيرها، كان البشر وحشيين جدا فيما بينهم؛ وخصوصا المنتصرين كانوا في فترات وحشيين جدا مع المغلوبين. على سبيل المثال، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بسنوات بسيطة، ظهر جيل كبير من الأطفال “غير الشرعيين” في ألمانيا، ومن آباء غير ألمانيين، وهو باختصار الجيل الناتج من الاغتصابات الكبيرة التي حصلت للنساء الألمانيات بعد انتصار الحلفاء على ألمانيا. وهذا فقط نموذج من أوروبا (لأن بعضنا ما زال ينظر لأوروبا باعتبارها قمة الوصول للحضارة والتمدن والديمقراطية والعلمانية والحريات والعدالة، إلخ)، لكن النماذج المماثلة في شتى بقاع العالم، وفي التاريخ الحديث والقديم معا، تكاد لا تحصى.
لكن لو بدأنا نتحدث عن وحشية الغزاة الأجانب، وعدم اكتراثهم بالسكان المحليين، في جملة التاريخ، وفي شتى بقاع الأرض، فستبدو الأمور أكثر قتامة بكثير، وسنعذر الكثيرين إذا فقدوا أي إيمان بالإنسانية وأي أمل في سلام وحقوق إنسان حقيقيين في هذا الكوكب، يوما ما.
فباختصار: عندما ننظر لمآسينا المحلية فحسب – وهي مآسي بمعنى الكلمة – فنحن مؤاخذين في يأسنا من الحلول المحلية (والمؤاخذة هنا لعموم الناس، أما حملة الأقلام والأعلام فالمطلوب منهم أكبر). لكن عندما نوسع النظر وننظر لمآسي البشر في هذا الكوكب، فغصبا عنّا سندرك أن العنف والظلم والاستعلاء هذه ليست أمراض سودانية فحسب، بل هي أمراض بشرية كوكبية. عندما ننظر للتاريخ البشري حولنا سنجد كل مساوئنا المحلية موجودة عند بقية البشر في الكوكب كله، وأحيانا بصور مضاعفة.
لكن سنجد أيضا أن البشر، رغم كل الوحشية والظلم، فهم أيضا قادرين في النهاية أن يخلقوا تجارب إيجابية بعد تلك المآسي. ثم سنجد أيضا نماذج قوية على أن خيار العمل الداخلي، رغم صعوباته وتحدياته الكبيرة، هو أقرب الخيارات لتحقيق مساعينا جميعا، وأقرب خياراتنا لمعالجة قضايا العدالة التاريخية. أي على البشر دوما أن يخلقوا تلك التجارب الإيجابية بأنفسهم، وليس بالاعتماد على بشر آخرين، خصوصا إذا كان أولئك الاخرين قوى خارجية لديها مطامع واضحة فينا وعندها رصيد واضح في الوحشية والاستغلال. علينا أن نمدد الخيال، للأسف، لنتخيل أن الأعنف والأسوأ ممكن الحدوث إذا سلّمنا رقابنا لقوى خارجية بدل أن نواصل نضالنا محليا لتحقيق العدالة والحرية والتنمية في أرضنا بأنفسنا…. وللحديث شجون
حول قصة الجيش السوداني مع صناعة المليشيات، وعلاقته مع مصر
[هذا تعليق ضمن خيط، نشر في 26 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
الجيش السوداني في تاريخه الطويل صنع المليشيات الموازية واستعان بها كثيرا، منذ بدايات عهد الاستقلال. وحتى في أزمنة الحكم الديمقراطي وافقت الحكومات على هذه الممارسة. وهو أمر خطير جدا ومن أولى المسائل التي تحتاج تعديلا صارما في هيكلية الجيش بعد انتهاء هذه الحرب.
لكن قوام الجيش السوداني – اي أساسه وأساس قيادته الميدانية وتخطيطه وتنفيذه ومعظم سلاحه – ظل دائما محليا. وهذه نقطة مهمة.
ايضا، ففي جملة دول العالم تستعين الجيوش الرسمية بحلفائها في الدول الاخرى، وتتدرب معها وتتبادل الخبرات، واحيانا تساهم مساهمات نسبية في مناورات او عمليات حربية معها. هذه ليست ممارسة الجيش السوداني فحسب بل العالم كله. الناتو مثلا حلف عسكري اقليمي، فهل نقول ان بريطانيا تستخدم مرتزقة جنود فرنسيين او تخوض حرب وكالة نيابة عن امريكا، مثلا، بسبب وجودها في حلف الناتو؟
التمييز واضح ومعروف بين استعانة الجيش الرسمي للدولة بحلفاء عسكريين خارجيين، استعانة نسبية، وبين قيام قوة خارجية بالتمويل والتوجيه الكامل لمليشيا محلية، بصفة خارجة عن قانون الدولة الرسمي وعن القنوات اللوجستية الرسمية وحتى القوانين والأعراف الدولية، ثم ان اجندة هذه الحرب تكون ايضا مرسومة من تلك الجهة الخارجية. في هذه الحالة فالوكيل المحلي انما هو فقط ظل للقوة الخارجية، ولهذا تسمى حرب وكالة
proxy war
فمشاكل الجيش السوداني كثيرة ومتراكمة، اكيد، ولا بد للشعب السوداني ان يعالجها بنفسه، لأن هذه دولته وهذه مؤسساته. اما حرب الوكالة فهي حرب عدوان خارجي لا يصح التهاون معها او مقارنتها بتعاون الجيش الرسمي مع حلفائه العسكريين.
وبخصوص علاقة مصر مع السودان فهناك علاقات كثيرة مشابهة حول العالم، بين دولتين جارتين لكن إحداهما أقوى سياسيا وعسكريا. هذه العلاقة ليست استعمارا فعليا (أو لم تعد كذلك) ولكنها علاقة استعمارية، فيها تغوّل ووصاية لا يحسن السكوت عليها. مثلا فيتنام وكمبوديا لديهم نفس المشكلة (حيث أن فيتنام تلعب دور مصر في تلك العلاقة)، وكذلك المكسيك والولايات المتحدة (حيث لا يمكن أن نقول إن المكسيك مستعمرة أمريكية لكن واضح أن العلاقة غير متكافئة) وأيضا هناك بين إيران وأفغانستان، وبين، الهند وبنقلاديش، إلخ. ففي جملة هذه الحالات لا يمكن أن تسكت البلد المستضعفة على ما يؤذي سيادتها المحلية، لكنه ليس استعمارا مباشرا. كما أن هناك علاقات تاريخية كثيرة مشتركة تجعل من المهم للشعوب الجارة أن تحافظ على أواصرها مع التخلص من العلاقة الاستعمارية.
وهذا كما ترون وضع مختلف من الغزو الأجنبي المباشر، ومختلف من حرب الوكالة، ولذلك يتطلب معاملة مختلفة، وعلى بُعد زمني مختلف.
ولنتذكر ان الجيش السوداني، رغم كل مشاكله، ورغم كل علاقاته البايظة مع “مصر الرسمية” (أي السلطات المصرية وليس الشعب المصري المسكين زيّنا)، إلا أن هذا الجيش السوداني هو الذي وقف في وجه القوات المصرية في زمن عبدالله خليل وجعلها تنسحب، فالجيش السوداني ليس اصلا تابعا لمصر الرسمية ولكن بعض الحكام السودانيين كانوا كثيرا خانعين لنظرائهم المصريين. وهذا ليس ضربة لازب على الجيش السوداني. لو استعاد الشعب سيادته على ارضه فيستطيع اصلاح جيش دولته.
كيفية التغيير بقدر أهمية التغيير
وكيفية إنهاء الحرب بقدر أهمية إنهاء الحرب
[نشر في 28 سبتمبر 2026، في الوسائط، مع النقاشات]
“في أي أجندة، سياسية أو غير ذلك، هناك تكلفة يجب دفعها. دائما اسأل: ما التكلفة، ومن سيدفعها. إذا لم تفعل فإن صانعي الأجندة سيلتقطون رائحة صمتك مثلما يلتقط فهود الأدغال رائحة الدم، ثم لا يمضي الكثير قبل أن تجد أنك أنت من سيدفع التكلفة؛ وقد لا تكون قادرا على دفعها…. الحرب مثلها مثل أي علاقة سيئة: بالتأكيد تريد الخروج منها. لكن ما الثمن؟ وربما الأهم: هل ستكون بحالٍ أفضل بعد الخروج منها؟”
(مقتبسات منسوبة إلى نادية ماكيتا، او كويلكرست فالكونر، من روايات الخيال العلمي “كربون معدّل”، تأليف رتشارد مورقان)
——–
(1)
ما يسمى بالحرب العالمية الأولى كانت ضخمة ومهولة وغير مسبوقة، بمعايير التاريخ وقتها، فسمّيت ‘عالمية’ (بينما هي إحدى اندلاقات أوروبا على الكوكب). ورغم فظائعها، والخسارات الكبيرة فيها، وبعد الظن أنه قد تم إيقافها على أي حال، اتضح بعد وقت وجيز من عمر المجتمعات أنها كانت ‘بروفة’ وجذوة لحرب أكبر منها وأطول منها زمنا – ما سمي بالحرب العالمية الثانية – بخسائر أضعاف في الأرواح (فبينما تقدّر خسائر الأرواح في الحرب العالمية الأولى بعشرة ملايين، تقدّر في الحرب العالمية الثانية بما يتجاوز الستين مليون) كما جرت فيها فظائع أوسع وأكثر إيلاما، ومعها فترة طويلة من الانهيارات المتلاحقة والحروب المشتقة، وإعادة التشكلات للخارطة الكوكبية. والخلاصة من تجارب تاريخية متعددة هي: طريقة إيقاف الحروب إما تكون خطوة سليمة نحو مرحلة بناء سلام مستدام، أو تكون مقدمة لحروب أخرى قادمة عن طريق منح أسبابها فرصا ودوافع لتتكثف وتتراكم.
(2)
معظم الحروب والصراعات المسلحة في هذا العصر، بعد الحربين ‘العالميتين’، تقود إلى طاولة مفاوضات، بطريقة أو بأخرى. حتى الحروب التي تحصل فيها هزائم كبيرة، أو فروقات واضحة في القوة الميدانية، تقود في العادة إلى مفاوضات حول ترتيبات انسحاب أحد الأطراف أو تنفيذه لشروط الطرف الآخر بشكل يجعل الأمور على الأرض تمضي بتكلفة أخف على عموم الناس. لذلك فتوقع ان هذه الحرب في السودان ستنتهي عبر مفاوضات ما، توقع مفهوم ومبرر (ليس السيناريو الوحيد الممكن، بطبيعة الحال، لكن يمكن تفهم الدافعين به). إذا وقفنا هنا فلا إشكال، لكن بطبيعة الحال نكون وكأننا لم نقل شيئا بعد، فكل هذا بديهي ومعمّم جدا. لا بد أن نقول المزيد كيما يصبح لحديثنا معنى في سياق الواقع السوداني والحرب الجارية فيه الآن.
(3)
التفاوض بطبيعته يكون بين أطراف لديها موقف تفاوضي ولديها أجندة تفاوضية. لا يمكن أن يذهب طرف إلى مفاوضات بدون موقف تفاوضي، أي موقف يجعل له وزنه وقوته في عملية المفاوضات بحيث أن المتفاوضين يحسبون لشروطه الحساب. كما لا يصح أن يذهب طرف إلى مفاوضات وهو لا يصطحب معه أجندة واضحة – بالنسبة له على الأقل – حول ما هي شروطه للتفاوض وما هي سقوفه التي لا تقبل التفاوض، وماذا يمكنه أن يعرض على الطرف الآخر كمقابل لإنهاء الصراع المباشر. أما من يذهب إلى التفاوض وهو لا يحمل موقفا تفاوضيا واضحا وأجندة تفاوضية واضحة، في أدنى مستوياتها، فمعنى ذلك أنه إما يكون ذاهبا لتقديم تنازلات فحسب، بل ربما أكثر عشوائية من ذلك – بجانب إمكانية وصفه كاستسلام مطبق – فهو طرف في تفاوض لا يملك حتى أسباب الوصول إليه (فكيف مثلا يخوض حربا تحتاج لمفاوضات لإيقافها وهو غير حامل لأجندة تفاوضية في الأساس؟)؛ أو أنه لا يعرف كيف يمكن لهذه الحرب أن تتوقف (أو لم يحسب احتمالات الوصول لنقطة التفاوض هذه)؛ أو أنه يخوض حربا لا يملك قراره فيها أصلا فهو في الغالب يتحرك وفق توجيهات خارجة عنه ولم يستلم بعد التوجيهات المتعلقة بأجندة التفاوض؛ أو أنه ببساطة غير جاد وليس لديه تصور لماذا يريد حقا وكيف يصل إليه. لذلك فأقل المطلوب من كل طرف في هذا النزاع أن يستبين موقفه التفاوضي ويحدد أجندته التفاوضية، ويجعلها معلنة، كحد أدنى لقيام مفاوضات يرجى منها شيء.
(4)
التعلل بأن إيقاف الحرب بأي ثمن هو المهم، موقف يبدو نبيلا – ولعل البعض يروّجونه بنية طيبة وعاطفة مفهومة – لكنه موقف مُضلّل، ويمكن أن يكون معذورا عندما يصدر من جهات وأفراد لا يحملون ألوية سياسية لكنه لا يجوز أن يصدر من جهات تمتهن العمل السياسي العام وتزعم أنها تمثّل قوى سياسية في البلاد. ينبغي أن يكون واضحا ومعروفا أن إيقاف أي نزاع مسلح بدون التعامل الجاد مع جذوره إنما هو في الواقع إطالة لأمد الحرب، عن طريق تجزئتها إلى حروب ومراحل، وعن طريق منحها أسبابها فرصة لتتضخم أكثر وتنفجر بقوة أكبر لاحقا. ولذلك من غير المقنع أن نقول إن تكلفة الحرب الهائلة على المدى البعيد هي ما تدعونا لإيقافها الآن ‘بدون شروط’، لأن طريقة إيقافها جزء من ضمان عدم استمرارها وجزء من تقليل تكلفتها.
(5)
وهذا مما يجعل الحروب ورطة كبيرة، نحاول تجنب الوقوع في شباكها قبل فوات الأوان، والتحذير قدر الإمكان من تشكّل عناصرها أمام أعيننا، لأننا عندما نقع فيها لن تتوفر لنا مخارج سهلة أو قريبة، في الغالب، مهما تمنينا ومهما صرخنا ومهما ذكّر بعضنا بعضا بأهوالها وبضرورة إيقافها وغير ذلك مما لا يحتاج لتذكير.
(6)
بالطبع لا بد لهذه الحرب، القائمة الآن في السودان، أن تتوقف – نعم لازم تقيف – ويا حبذا لو كان اليوم قبل الغد. وبالطبع فإن أكثر سناريو متوقع هو سمة العصر، الذي أشرنا إليه آنفا. لكن هنالك تفاصيل أصعب من تلك مثل كيف نضمن أن إنهاء هذه الحرب لا يكون بطريقة تجعلها مقدمة لحرب أو حروب أخرى أكبر وأخطر منها، بخسائر أوسع وأشرس (ومن يظن أن هذا القول مبالغة فما عليه إلا أن ينظر حوله ويقرأ التاريخ، بل ما عليه إلى أن ينظر إلى السودان نفسه منذ 2019 وحتى الآن)، وكيف نستفيد جل الاستفادة من الدروس الصعبة جدا حتى لا نحتاج لتكرارها. كيف نمضي في تعبيد طريق البناء في مراحل ما بعد الحرب ونحن قد غطّينا كل الفراغات والثغرات “زي وابور الزلط” بحيث لا نحتاج للعودة مرة أخرى لأي مرحلة سابقة لأننا لم نغطّها جيدا.
(7)
غني عن القول أننا، عند هذه النقطة، أننا لا بد أن نشخّص الأوضاع تشخيصا صحيحا، وننظر في الحلول التي تعالج لنا جذور الأزمة لا أعراضها فحسب، إذ بخلاف ذلك نكون قد أهدرنا الكثير من الدماء والدموع والوقت والتكلفة في غير طائل، بل ربما نكون ممن اجترّوا من سوء هذه الحرب جذوة لإشعال ما هو أسوأ منها بكثير في المستقبل المنظور. وغني عن القول، كذلك، أن مثل ما نحتاجه من تشخيص وحلول لا يمكن أن نستوردها من الخارج، ولا يمكن أن تأتينا ضمن باقة من الوصاية والاستغلال، من الخارج، هي نفسها ستكون سببا في استمرار دوامة الحروب والكوارث محليا، إذا قُدِّر لها أن تكسب هذه الجولة. يقول لنا التاريخ بأوضح الكلمات وأعلاها: لا طريق أكثر ضمانا، وأقل تكلفة (وإن بدا مكلّفا عند النظر له بدون مقارنة مع غيره)، غير الطريق المحلي، بالفاعلين المحليين، والعناصر الداخلية/المحلية، بشتى تنوعاتها وصراعاتها وحمولاتها التاريخية. ليس في هذا الأمر تقوقع داخلي غير مبرر، لأنه قاعدة عالمية، أي أن كل شعوب العالم يمكنها التبادل فيما بينها، واستقاء التجارب من بعضها بعضا، وأخذ العِبر، وتعلم المهارات، وتصوّر آفاق مستقبلية أوسع وأشمل للجميع، ثم بعد ذلك التفكير الكوكبي يرجع الجميع للعمل محليا، حسب موقعه الذي يُعتبر فيه “محليا” (فشرط المحلية هنا أن يكون المرء، وتكون الجماعة، من ذوي الشأن والمتأثرين به بأنفسهم، فالشأن السياسي السوداني للسودانيين، والشأن السياسي الافريقي للأفارقة، وهكذا). كل ذلك وفق القاعدة التضامنية الكوكبية الحقيقية: فكّروا كوكبيا واعملوا محليا.
think globally, act locally
وليس في ذلك حصر لسبل التضامن العالمي، لأن التضامن الحقيقي له شروطه وله مواعين قبوله…. إلى أن تأتي يوما الفرص التي تجعل “المحلي” أوسع وأوسع، حتى يصبح كل الكوكب “قريتنا” المحلية، فعلا لا كلاما، وبالحق المتساوي وليس بالوصاية والاستغلال والعدوان.
(8)
لا توجد مدينة، في هذا الكوكب، لا يمكن إعادة بناؤها؛
قديمة أو حديثة، قوية البنية التحتية أو ضعيفة، ضخمة أو صغيرة.
عبر التاريخ، القديم والحديث، هُدّمت وحُرِقت مدن، وبُنِيت من جديد – وعُمِّرت – حيثما توفّرت الإرادة والقدرات.
بيد أن الحيوات التي تذهب لا تتكرر، والدروس عالية التكلفة، ربما لا نعيها جيدا فتتكرر.
——–
[كتابة مستعادة، من سبتمبر 2023 ويونيو 2024، مع التحرير]