مناقشة كتاب السلطة الخامسة – مقدمة

قام مركز الفأل الثقافي بتنظيم جلسة نقاش لكتاب السلطة الخامسة: نحو توطين التكنولوجيا، في 16 يوليو 2026، بحضور المؤلف وإدارة سارة الجاك.

جاء في الكلمة الافتتاحية للنقاش (للمؤلف):

يسعدني تخصيصكم لبعض وقتكم لقراءة كتاب السلطة الخامسة: نحو توطين التكنولوجيا، ثم مناقشته. ومن الملاحظات اللطيفة، التي يمكن أن تعبر عبورا عاديا على الناس اليوم، هو أن هذا اللقاء “الأونلاين” هو اليوم شيء معتاد جدا، تقام مثله مئات بل ربما ألوف اللقاءات يوميا حول العالم، بينما هو منجز تكنولوجي عجيب وحديث نسبيا، لدرجة أننا عندما كنّا أطفال – بل حتى كمراهقين (بالنسبة لبعضنا) كان وصولنا للمرحلة دي يُعتبر من أحاديث الخيال العلمي. وهذا إن دل فإنما يدل على الكيفية التي صارت بها التكنولوجيا – بجانب أشياء كثيرة في حياتنا – وسيطا يوميا للتلاقي، والتعلّم، والعمل، والتفكير العام.

أود في هذه الدقائق أن أقدّم مدخلا مختصرا للكتاب، لا بصفته تلخيصا كاملا لفصوله، بل بصفته دعوة للنقاش حول أطروحته الأساسية. يبدأ الكتاب من ملاحظة بسيطة لكنها ذا تبعات عميقة في نظرتنا لواقعنا: نحن نعيش في عالم يعتمد اعتمادا شاملا على العلوم والتكنولوجيا، ومع ذلك فإن قطاعات واسعة من البشر، خصوصا في المجتمعات النامية، تعيش هذه التكنولوجيا غالبا بوصفها شيئا يأتي من الخارج، نستهلكه ونتكيف معه، أكثر مما نشارك في إنتاجه وتوجيهه وتحديد شروط دخوله في حياتنا.

من هنا تنطلق فكرة الكتاب: أن مشكلة التكنولوجيا ليست مشكلة أجهزة وآلات ومنتجات فحسب، وليست شأنا فنيا ضيقا يخص المهندسين والمختصين وحدهم. التكنولوجيا، كما أحاول أن أعرضها في الكتاب، جزء من نسيج المجتمع؛ تدخل في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتعليم والصحة والبيئة، وتعيد تشكيل علاقات الإنتاج والمعرفة والسلطة. لذلك فإن علاقتنا بالتكنولوجيا يمكن أن تكون مؤشرا مركزيا على مستوى التنمية البشرية في أي مجتمع.

أعني بالتنمية البشرية هنا أكثر من تحسن المؤشرات الاقتصادية أو ارتفاع مستوى الاستهلاك. أعني قدرة المجتمع على صون كرامة الناس وحياتهم، وعلى رعاية الإنتاج والابتكار وزيادة المعرفة، وعلى خلق الجمال والمعنى في البيئة المعاشة. وإذا كانت التنمية بهذا المعنى، فإن التكنولوجيا لا تكون زينة خارجية ولا علامة سطحية على الحداثة، بل تصبح مجالا حاسما من مجالات تقرير المصير.

لهذا استخدمت في عنوان الكتاب عبارة السلطة الخامسة. والمقصود ليس إضافة مؤسسة رسمية إلى السلطات المعروفة، بل لفت النظر إلى أن التكنولوجيا صارت، في المجتمعات المعاصرة، سلطة محيطة – عملية ورمزية – ذات نفوذ واسع. السلطات الثلاث الأولى، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ثم الإعلام بوصفه “السلطة الرابعة”، كلها لا تعمل اليوم بمعزل عن الهياكل والعمليات التكنولوجية. وبذلك فهناك واقع صريح في عالمنا المعاصر: من يملك قدرة إنتاج التكنولوجيا، وإعادة إنتاجها، وتوجيهها، يمتلك سلطة عميقة، أحيانا صامتة، لكنها حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية.

لكن الكتاب لا يكتفي بوصف هذه السلطة. ما يشغله أساسا هو سؤال المجتمعات النامية: كيف ننتقل من علاقة الاستهلاك والتبعية إلى علاقة أكثر ندية وأصالة؟ أسمي الحالة الأولى الاستلاب التكنولوجي: أن نتعامل مع التكنولوجيا كمستقبلين ومستهلكين ومقلدين، وأن نظل في المقعد الخلفي، نستعمل منتجات الآخرين دون أن نملك القدرة الكافية على فهمها، أو تعديلها، أو إنتاج بدائل ملائمة لاحتياجاتنا وبيئاتنا.

وليست المشكلة هنا في الاستيراد في حد ذاته، ولا في التعلم من تجارب الآخرين. فالحضارات تنمو بالتبادل، وكل مجتمع في سياقنا المعاصر، مهما تقدم، مشتبك مع باقي العالم بحيث أنه يأخذ ويعطي. المشكلة تبدأ حين يصبح الأخذ قدرا دائما، وحين يغيب الأمل في مساهمة أصيلة تُنسب إلينا استحقاقا، وحين تصبح علاقتنا بالحداثة والتحديث مظهرا استهلاكيا لا تحولا في المعرفة والمؤسسات وأنماط الإنتاج.

في مقابل حالة الاستلاب، يطرح الكتاب مفهوم الاستقلال التكنولوجي كنقيض للحالة السابقة وكهدف. والمقصود به ليس الانغلاق، كما جاء سابقا، ولا رفض التكنولوجيا الوافدة رفضا عاما. المقصود هو بلوغ مستوى من القدرة الجماعية على تقرير المصير في الشؤون التكنولوجية: أن نعرف ماذا نحتاج، ولماذا نحتاجه، وكيف نستوعبه، ومتى نعدله، وكيف نبني حوله مؤسسات تعليم وبحث وإنتاج وصيانة وابتكار. الاستقلال التكنولوجي موازنة ضرورية بين الاستهلاك والإنتاج، وبين الاستيراد والتوطين، وبين الانفتاح على العالم والمرجعية المحلية في اتخاذ القرار.

ومن هنا يأتي العنوان الفرعي للكتاب: نحو توطين التكنولوجيا. التوطين في هذا السياق ليس مجرد نقل جهاز أو شراء منظومة أو تدريب سريع على التشغيل. التوطين عملية اجتماعية ومؤسسية ومعرفية طويلة، تشمل التعليم، والبحث والتطوير، والصناعة، والسياسات العامة، والثقافة، واللغة، والبيئة، وعُرى العدالة—كل هذه كمقومات للاستدامة. التكنولوجيا لا تأتي وحدها؛ تأتي معها علاقات قوة، ونماذج عمل، وافتراضات ثقافية، ومصالح اقتصادية. لذلك لا بد من نقدها وفهمها قبل تبنيها، ولا بد من تكييفها مع البيئة المعاشة، في مقابل أن يصبح شغلنا المستمر هو فقط تكييف بيئاتنا معها، وهو شغل لا نحصد منه غير لهاث الأنفاس وشعور التهافت والاستلاب.

يحاول الكتاب أن يدعم أطروحته عبر مسارين. الأول مفاهيمي وفلسفي: ما التكنولوجيا؟ كيف ترتبط بالمؤسسات الاجتماعية؟ وكيف نفهم التحول التكنولوجي تاريخيا؟ والثاني تاريخي وتحليلي: ماذا تخبرنا تجارب المجتمعات المختلفة عن علاقة التكنولوجيا بالتنمية البشرية، وعن العوامل التي تجعل بعض المجتمعات قادرة على توليد التكنولوجيا وإدارتها، بينما تبقى مجتمعات أخرى في موقع التلقي والاستهلاك؟

ومن الأمثلة التي أشير إليها في المقدمة تفاوت تبني التكنولوجيا بين قطاعات مختلفة. ففي الزراعة، مثلا، تواجه المجتمعات النامية تحديات معقدة: ضعف البنية التحتية، مخاطر الاستثمار، محدودية القدرة الشرائية، وتردد المزارعين الصغار أمام تقانات غير مجربة في بيئاتهم. وفي المقابل نجد قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قد انتشرت بسرعة أكبر، في مستوى الاستعمال والتوظيف، ودخلت في التعليم والصحة والأعمال الصغيرة وغيرها. هذا التفاوت لا يلغي الأزمة العامة، لكنه يوضح أن المسألة ليست “فنية/تقنية” فقط، بل اجتماعية واقتصادية وثقافية ومؤسسية كذلك.

الكتاب أيضا موجّه لطيف واسع من القراء. صحيح أنه يستند إلى بحث وتوثيق أكاديمي، لكنه لا يخاطب المختصين وحدهم. فالتكنولوجيا تمس الجميع: من يعمل في التعليم، ومن يهتم بالسياسة العامة، ومن يعمل في الزراعة أو الصناعة أو الصحة، ومن ينشغل بالثقافة واللغة والفنون والبيئة والعدالة. لذلك حاولت أن أكتب بلغة تجمع بين الرصانة البحثية والوصول للرأي العام، لأن نقاش الموضوع يجب ألا يبقى محصورا في دوائر ضيقة. يطمح الكتاب لأن يحرّك حوارا عابرا للتخصصات، ومفتوحا على التجربة، ومشدودا إلى سؤال التنمية البشرية بمعناها الأوسع.

في بنية الكتاب، يبدأ الفصل الأول بمسح مفاهيم التكنولوجيا والتحول التكنولوجي وعلاقتهما بالمؤسسات. ثم يأتي الفصل الثاني كبؤرة للكتاب، حيث أطرح إطارا استراتيجيا للاستقلال التكنولوجي وموقع توطين التكنولوجيا داخله. بعد ذلك تتناول الفصول اللاحقة (الثالث والرابع والخامس) علاقة التكنولوجيا بالدولة والثقافة والبيئة، ثم اللغة والتعليم وتغير المناخ، ثم قضايا التكنولوجيا والعدالة، وصولا إلى فصل استقصائي وخاتمة تعود إلى الأطروحة العامة وتحاول فتح أسئلة جديدة.

وأود أن أوضح أن الكتاب لا يزعم تقديم وصفة جاهزة. هو محاولة لفتح مجال تفكير ونقاش حول سؤال مصيري: كيف يمكن لمجتمعاتنا أن تتعامل مع التكنولوجيا لا كقدر مفروض، ولا كسلعة جاهزة فقط، بل كمجال للتعلم والاختيار والإنتاج والتحرر؟ كيف يمكن أن نجعل التكنولوجيا خادمة للتنمية البشرية، لا آلية لتعميق التبعية أو إعادة إنتاج اللامساواة؟

ولعل أهمية هذا السؤال اليوم أكبر مما كانت عليه عند صدور الكتاب. فنحن نرى حولنا تسارعا هائلا في الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، والطاقة، والتقنيات الحيوية، وأنظمة المراقبة، وسلاسل الإنتاج العالمية. وكل هذه المجالات تطرح على المجتمعات النامية السؤال نفسه بصور جديدة: هل سنظل مجرد مستخدمين ومستهلكين ومتلقي آثار، أم سنبني قدرة على الفهم والمساءلة والمشاركة والتوجيه؟

لهذا أتمنى أن يكون نقاشنا اليوم مفتوحا على النقد والأسئلة. قد نختلف حول المصطلحات، أو حول مدى صلاحية مفهوم السلطة الخامسة، أو حول شروط الاستقلال التكنولوجي، أو حول الأمثلة التاريخية والسياسات الممكنة. هذا الاختلاف مرحب به، لأن غرض تحريك النقاش لا حسمه. فإذا استطاع أن يدفعنا إلى إعادة النظر في علاقتنا بالتكنولوجيا، وفي علاقتها بالتنمية والعدالة والبيئة والثقافة، فقد حقق جزءا من غايته.

أختم بالعودة إلى الفكرة التي انطلقت منها: التنمية البشرية لا تنفصل عن التكنولوجيا، والتكنولوجيا لا تنفصل عن أسئلة السلطة والمعرفة والاختيار. لذلك فإن توطين التكنولوجيا ليس ترفا فكريا، بل شرط من شروط بناء مجتمعات قادرة على أن تفكر بذاتها، وتنتج ما يلائمها، وتشارك العالم من موقع الندية لا من موقع الاستلاب.

أضف تعليق