وللشعوب ذاكرة الكوارث

مدخل أول:
بين الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، قامت تجربة “لجان الأحياء” في هايتي. لم يسمع بها معظم السودانيين والافارقة، لأسباب مفهومة، لكن تشابهات تلك التجربة مع “لجان المقاومة” السودانية (والتي سمّيت أحيانا بلجان الأحياء كذلك) تشابهات تبعث على التأمل المندهش، فهي مؤشر إلى أن عبقريات الشعوب ليست فلتات زمان أو طفرات لا تفسير لها، إذ يبدو، على أقل تقدير، أن تلك العبقريات تتفتح عن مساحات مبتكرة للمواطنة ولأنشطة أخرى وفق ظروفها ومعطياتها ومحدودياتها، وليس غريبا أن تتشابه بعض تلك المساحات المبتكرة، ولو عبر الزمان والمكان.More

صفقة 2025 ومضاعفة الثمن

‘ليس هنالك مَفَر؛ إنّما ندفعُ ثمنَ عنفِ أسْلافِنا….’
[من رواية كثيب (Dune)، لفرانك هيربرت، 1965، ضمن مجموعة أقوال پول ‘المؤدِّب’ آتريديز]  
——–

هناك أناس ومجموعات، رغم خطأ موقفهم، نقدِر ببعض الجهد، على الأقل، أن نتفهم ونتتبع المنطق الذي أوصلهم للوقوف مواقف غير موفقة، مثل الذي حصل في مهرجان نيروبي (فبراير 2025) لبعض المكونات السياسية والقيادات الأهلية السودانية التي لا يجمعها في الأصل مبدأ ولا رصيد، ومثل الترويج لذلك المهرجان كاختراق إيجابي في تاريخ الصراع السوداني.More

مفوضية التنمية المستدامة: أولوية

منذ العام 2019، ظللنا جزءا من الدعوة المستمرة لإنشاء مفوضية للتنمية المستدامة، تكون الرائد والضامن لالتزام هياكل الفترة الانتقالية برؤية وأعمال تنموية ذات ضرورة لنجاح عملية الانتقال ولنجاح مشروع بناء دولة عصرية وديمقراطية في السودان. وبعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 والعودة للحديث عن فرص التجربة الانتقالية القادمة، استعدنا ذلك الموضوع ودفعنا به بصورة متكررة، في هيئة مقالات، وتسجيلات فيديو، وأوراق ندوات [قائمة مرفقة]، بالإضافة لمرافعات أمام لجان المقاومة وأمام مبادرات شعبية ثورية كيما تقوم بتضمين مفوضية التنمية في تصوراتها للانتقال.… More

الدولة العصرية والسودان: ‘لا بريدك ولا بحمل بلاك’

الذين عاشوا ويعيشون في السودان، في العصر الحالي، يجلسون في المقعد الأمامي في مشاهدة سيناريو فشل الدولة وانهيارها، كأحد السيناريوهات الواردة مع حالة أي دولة في هذا العصر–أي أن استقرار الدولة واستيفائها للحد الأدنى من شروط الكفاءة ليس أمرا مضمونا لأي دولة، فأي دولة مهددة بالانهيار في فترة وجيزة إذا عجزت عناصرها عن الاستمرار، لأي سبب من الأسباب؛ وهذا إجمالا وضع أي بناء حضاري بناه البشر في تاريخهم المكتوب، فأي حضارة دامت لفترة، طالت أم قصُرت، مرت بامتحانات ومحكّات، فإما تجاوزتها وإما فشلت ثم انهارت (وعادة بسرعة أكبر من الوقت الذي احتاجته لكي تبني نفسها وتصل لقمة سطوتها)؛ وفي النهاية، لا يوفّر لنا التاريخ أي نموذج لأي بناء حضاري استمر بدون أن ينهار يوما ما.… More

بين المثقف العام والمؤثر

عدد بسيط من الشباب – ذكورا وإناثا – الذين أتابع كتاباتهم وأقوالهم ومداخلاتهم في منصة فيسبوك ومجمل “منصات التواصل الاجتماعي” أو السوشلميديا (كمكان حصري لكتاباتهم ومداخلاتهم)، أعتبر تفكيرهم مرتّبا ولغتهم سلسة في التعبير عن المسائل التي فيها تعقيد؛ وعندهم أدوات المفكّر فعلا. هؤلاء من الذين أنتظر منهم أن يكتبوا كتابة مرتبة أو عروضا مرتّبة يوما ما – أوراق، كتب، مقالات/تدوينات، محاضرات مرتّبة في موضوعها، لقاءات أو وثائقيات، الخ – بمعنى توقي لأن أراهم يقدمون أفكارهم وخلاصة اطلاعهم بصورة أقرب لتوثيق وتأطير المعرفة وأبعد من الشفاهة العابرة أو محتوى السوشلميديا فحسب.… More

حول دور المنظمات غير الحكومية الدولية وشريكاتها المحلية

نظرة في الاقتصاد السياسي ومأزق الأجندة الوطنية والتحررية في حبال الشراكة بين المنظمات غير الحكومية الدولية (INGOs) وشريكاتها المحلية.
 
[اقتباس مطوّل – مع تدخلات طفيفة – من سلسلة مقالات]
——–
….ثم نأتي للدور الخطير الذي لعبته منظمات المجتمع المدني الدولية NGOs ودورها الإمبريالي في صنع طبقة من الكمبرادورات الموالين طواعيةً لقوى الإمبريالية ضد وطنهم. في أي مجتمع يوجد ما أسميه بالأجيال الفاعلة Potential Generations، وهي الأجيال التي عادةً ما يقع عليها مناط التغيير.
More

لعنة اليمَن: دَيْنٌ على الثورة السودانية

بين كل فترة والأخرى، أتذكّر أننا في شهور عنفوان الحراك الثوري، في بدايات 2019 وإصرار الجموع الثائرة، ومن ساندها، على المواصلة، مهما كان الأمر، من أجل مستقبل أفضل أصبح الناس أكثر جرأة على التفكير فيه وفي إمكانياته، بعد سنوات صار فيها سقف التفكير والطموح العام متدنيا…. أتذكر أننا في تلك الأيام انتبهنا انتباها جيدا لكون الشعب اليمني يعيش حالات بؤس وكوارث وأن ذلك من أثر عدوان غير مبرر وغير مشروع يشارك فيه جنود سودانيون (وأولئك الجنود كانوا من القوات المسلحة ومن الدعم السريع معا).More

في مناسبة ذكرى تأسيسها الـ120: جامعة (حداثة) الخرطوم

ننظر لجامعة الخرطوم (وكلية غردون) باعتبارها المؤسسة التعليمية الكبرى في السودان الاستعماري وما بعد الاستعماري، فهي المؤسسة التي مرّ عبرها عدد كبير من الأفندية المحليين (أو البرجوازية الصغيرة) – ومعلوم ان أغراض الاستعمار من تأسيس مثل هذه الصروح التعليمية كان تهيئة فئة أفندية تعين الحاكم المستعمر في شؤون إدارة دولة الاستعمار وترساناتها، لكن الأمور لم تمض بالتحديد كما شاء لها المستعمر، كما أوضح والتر رودني في كتابه “كيف قوّضت أوروبا نماء افريقيا” (1972) الذي كتبه ونشره بينما كان أستاذا في جامعة دار السلام –  ثم إن هؤلاء الافندية خرج منهم أناس خدموا البلد خدمات جليلة وحاولوا ما بوسعهم ان يرتقوا بأرضهم وشعبهم، وخرج منهم كذلك أناس أضرّوا بمسيرة البلد ضررا كبيرا.More