الذين عاشوا ويعيشون في السودان، في العصر الحالي، يجلسون في المقعد الأمامي في مشاهدة سيناريو فشل الدولة وانهيارها، كأحد السيناريوهات الواردة مع حالة أي دولة في هذا العصر–أي أن استقرار الدولة واستيفائها للحد الأدنى من شروط الكفاءة ليس أمرا مضمونا لأي دولة، فأي دولة مهددة بالانهيار في فترة وجيزة إذا عجزت عناصرها عن الاستمرار، لأي سبب من الأسباب؛ وهذا إجمالا وضع أي بناء حضاري بناه البشر في تاريخهم المكتوب، فأي حضارة دامت لفترة، طالت أم قصُرت، مرت بامتحانات ومحكّات، فإما تجاوزتها وإما فشلت ثم انهارت (وعادة بسرعة أكبر من الوقت الذي احتاجته لكي تبني نفسها وتصل لقمة سطوتها)؛ وفي النهاية، لا يوفّر لنا التاريخ أي نموذج لأي بناء حضاري استمر بدون أن ينهار يوما ما.… More
حوكمة
عن القيادة وعن التنظيم
ما زال بعضنا يعرّفون القيادة، ويفهمونها، بتصدّر المشهد، في الحركة أو المشروع أو الجموع، إلخ. وتصدّر المشهد يعني ان يكون البعض هم ‘وجه’ الجموع، وصوتها، ومحرّكي القرارات فيها؛ فكأن هنالك تداخلا عاليا بين هويّتهم كأفراد وبين الهوية العامة لتلك الجموع. وربما في التاريخ كان هذا الشكل من القيادة مبررا، في سياقات مفهومة، وربما يكون مبررا أحيانا حتى في بعض الحالات المعاصرة—كحالات المدارس الفكرية الجديدة، وربما بعض المشاريع ذات الطابع المتشكل بمبادرة فردية متميزة، إلخ.… More
الحوكمة وصنع السياسات: مدخل
نظام الدولة العصرية في الغالب أعقد نظام اجتماعي في التاريخ قاطبة. يتشكل من أجهزة ومؤسسات كثيرة، تتوزّع عليها سلطات، وهذه السلطات تتقاطع وتتداخل. ثم في كل جهاز ومؤسسة هنالك هياكل قائمة بذاتها ثم لديها حلقات اتصال مع مثيلاتها. الأجهزة أجسام والمؤسسات قواعد؛ وأحيانا للأجهزة وجوه ناعمة وللمؤسسات وجوه صلبة. ووفق كل هذا التعقيد تكون الإدارة وتحريك الدواليب بأيدي أشخاص متبايني النوايا والمصالح والقدرات، فيؤثر اختيارهم ومنصبهم في المواضع الحساسة في ذلك النظام على جميع الحكاية.… More
معهد لدراسات القرار: مقترح
Institute for Decision Studies
(1)
دراسات القرار (decision studies) ليست مصطلحا شائعا، لكنه موجود، في الدوائر الأكاديمية مع بعض الانعكاسات على مجالات العمل الأخرى المتصلة بها. وهنالك أيضا ما يسمى بعلوم القرار (decision sciences) وتسميتها بالعلوم يفيد إضفاء المزيد من السطوة المعترفة (authority) لها،[1] أو على الأقل إضاءة ذلك الجانب من مسائل صنع القرار الذي يستعين على “علوم” معتمدة، مثل الاقتصاد (بما يشمل الاقتصاد السياسي والاقتصاد السلوكي والاقتصاد المؤسسي) والإحصاء (بما يشمل نظريات القرار الإحصائية) وعلم البيانات، وتعلم الآلة (machine learning) وعلوم الرياضيات والبرمجة، وسايكولوجيا الإدراك (cognitive psychology)، إلخ.… More
تعقيب: حول تأهيل منظومة البحوث والابتكار
كتب الأستاذ الدكتور نمر عثمان بشير مقالا قديرا، في الرد على الأطروحة التي قدمناها مؤخرا بعنوان “تأهيل منظومة البحوث والابتكار بالسودان: مجلس وطني للبحوث”، والبروف نمر ذو باع أكاديمي وإداري أعطاه من التجربة والخبرة ما يجعله يهتم بمثل هذه الأطروحة ويتفاعل معها، إيجابا أو نقدا، ولذلك حرصنا على توفير عرض الأطروحة له ليطّلع عليها ونستأنس برأيه. ولم يخيّب ظننا فله الشكر على الكتابة في هذا الموضوع، بصورة موضوعية ومحترمة وواضحة، لأنه بهذا إنما يدعم الاتجاه الذي نريده تماما: وهو فتح الباب للنقاش وتقليب جملة السيناريوهات والخيارات، لنرى ما لها وما عليها، ولنوثّق لعملية التفكير هذه ونسجّلها كنموذج للتفاكر في قضايا السياسات المسنودة على البراهين؛ وباعتبار القضية في أصلها قضية عامة وتخص المؤسسات العامة فإن نقاشها العلني من الصواب ومن الخير.*… More
مفاكرة: الحوكمة وصنع السياسات
“استضافت مجموعة أجندة مفتوحة، مساء الجمعة الماضي (6 مارس 2020)، بلندن، المملكة المتحدة، قصي همرور في مفاكرة حول الحوكمة وصنع السياسات (تقديم مروة جبريل) حيث ابتدر قصي الفعالية بورقة قيّمة حول الموضوع. عقب ذلك دار حوار ونقاش مستفيض بين الضيف والحضور.”
يمكن أن نقول إن صنعة الدولة (statecraft) هي التي تستحق أن تسود المجال السياسي، وأن تعامل كعلم. [والعلم هنا معناه: مجال مبوّب ومدروس، بحيث يشتمل على مجموعة معارف ومهارات لديها معايير متوافق عليها بين المشتغلين في المجال، وبحيث أن من ليس لديه إدراك كافي لتلك المعارف والمهارات، وفق المعايير، لا ينتسب للمجال].… More
حول العلاقة الثلاثية: الدين والدولة والسياسة
[بلغة الكلام في السودان]
ما بننكر انه المسألة – مسألة العلاقة الثلاثية، بين الدين والدولة والسياسة، في العصر الحديث – فيها جوانب معقدة، والإجابات فيها موش جاهزة خالص، ولا بالضرورة بديهية؛ لكن في موجّهات تفكير مفروض تكون راسخة في أرضها، بحكم التاريخ والإطار العام لتطورات الأوضاع الحاكمة زمننا.
بمجرد ما بنتكلم عن ‘دولة عصرية’ (اي تستوفي النموذج المعاصر للدولة حسب المفاهيم والعقود المتواضع عليها عالميا) فده بيعني انها دولة مواطنة جغرافية-سياسية (جيوسياسية) بالمعنى الصريح، يعني حدودها وصلاحياتها وقوانينها بتتشكل عبر قرارات مواطنيها وتفاعلاتهم في الرقعة الجغرافية ذات السيادة، مع استيفاء شروط تاريخية متعارف عليها في الواقع الدولي، الأمر الذي يجعلها دولة غير لاهوتية وأيضا غير عشائرية، وغير ذات حكم مطلق على الرعايا، بالضرورة؛ وده بيختلف اختلاف جوهري عن معظم نماذج “الدول” أو الممالك التي توفرت في التاريخ القديم.… More
مشكلة الأغلبية في الديمقراطية
(1)
منذ بداية تأسيسها، في أواخر القرن الثامن عشر، كانت الولايات المتحدة “ديمقراطية”، ووفقا لذلك وضعت أسسا للاختيار الحر للحكومة، واستقلال القضاء، وفصل السلطات، والحقوق الأساسية للمواطنين.
وبطبيعة الحال، كان ذلك يتضمن أن أغلبية المواطنين هي التي تنتخب الحاكم وممثّليها في السلطة التشريعية. لكن، هنالك تفاصيل مهمة. حسب التقاليد المعمول بها عن الديمقراطية (منذ بداياتها الاغريقية) كان تعريف المواطن يقتصر على الرجل، الحر، البالغ، دافع الضرائب.… More