نقاشات حول الأيدولوجيا، والثقافة، والوعي الزائف

‘الايدولوجيا كوعي زائف’ مساهمة ماركسية (1)
والفرق بين الثقافة والايدولوجيا في منهج التحليل الثقافي

(زيارة خفيفة لمحمد جلال هاشم)
———

أدناه محاولة سريعة ومختصرة لتناول مسألتين، من رصيد المفكر والكاتب محمد جلال هاشم، يحصل حولهما جدل كثير، لكن وفق جُملة من المعلومات السماعية والقليل من الاستزادة من المصادر الموثوقة (كمؤلفاته، منذ ثمانينات القرن الماضي، والوثائق المكتوبة).

(1)
منهج التحليل الثقافي يتخذ السلطة وممارستها عروة للحراك الاجتماعي (الثقافي) ودينامياته، ويعرّف الثقافة تعريفا واسعا، فهي “ذلك الكل المركّب الذي يشمل المعرفة، المعتقد، الفن، الأخلاق، القانون، التقاليد، وأي قدرات أو عادات أخرى يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في مجتمع ّما” وفق التعريف الذي ينطلق منه منهج التحليل الثقافي [2018، مفاكرات حول منهج التحليل الثقافي. أمدرمان: الدار البيضاء للنشر والتوزيع]، ويضيف محمد إلى أن جملة محرّكات وأنماط علاقات الإنتاج مرتبطة بالثقافة، بهذا التعريف، ما يجعل الحقل الاقتصادي غير منعزل عن العوامل الثقافية، من منظور منهج التحليل الثقافي. وعندما يقول منهج التحليل الثقافي إن آليات السلطة (وحيازة الثروة) في المجتمع لا يمكنها أن تتحرك خارج المجال الثقافي تماما، لو فهمنا الثقافة بالطريقة عاليه، فهو بهذا لا يشذ كثيرا عن تعريفات ودفوعات قدّمها بعض رموز حركات التحرر الوطني الافريقي، ذوي الخلفيات المستفيدة من المادية التاريخية (الماركسية)–مثل أملكار كابرال وستيف بيكو – ومفكرين ذوي خلفيات ماركسية مباشرة مثل قرامشي. بل إن كتابات قديمة لإنجلز توضّح أن العوامل الثقافية مهمة جدا في الاعتبار الماركسي.

محمد جلال كذلك يفصل بين الثقافة والايدولوجيا. وفق المنهج أعلاه فالثقافة رحبة وواسعة ومتنوعة وعبقرية لدى جملة الشعوب، ومتصاهرة ومتطورة مع اللغات والأديان، ومع الثقافات الأخرى، إلخ. أما الايدولوجيا فهي ضيقة وتزيّف الواقع وتحبس الرؤى وفرص التطور، أي أنها وعي زائف. محمد يصف الايدولوجيا بأنها فيروس يلتصق بجسد الثقافة، يعيش عليها ولا يضيف لها، وهي منه بريئة. وذلك هو حال ‘الايدولوجيا الاسلاموعروبية’ من الثقافة/الثقافات العربية والاسلامية، إذ يكرر محمد جلال في كتاباته وخطاباته إن الثقافة العربية والثقافة الإسلامية جملة (وبالتأكيد اللغة العربية والدين الإسلامي) مكوّنات أصيلة في تكوين السودانيين ومحل احترام عموما، أما الايدولوجيا الاسلاموعروبية فهي ضارة وإقصائية وأثرها فادح على شعوب السودان وعلى فرص التقدم والتعايش عندهم. ثم كأستاذ لسانيات وتاريخ اجتماعي، وكمؤلف باللغة العربية، نجد أن محمد من أفضل من يكتب ويتحدث باللغة العربية الفصحى في السودان ويهمّه تجويدها (وهو كذلك من اجترح مصطلح “الافارقة العربفونيون” أي الناطقين باللغة العربية كلغة أساسية، والسودانيون جملة من هؤلاء، كما أفارقة آخرون).

[وهنا جدير بالذكر أن وصف الايدولوجيا بأنها وعي زائف إنما هو مساهمة ماركسية. في غير ذات مرة شاهدت بعض اليساريين يجادلون محمد جلال بأن تعريفه للأيديولوجيا غير مناسب وناقص في أفضل الأحوال، فيجيب محمد أنه لم يخترع هذا التعريف ولم ينسبه لنفسه في يوم من الأيام، فهو تعريف ماركس، وهو تبنّاه. وهذا أيضا باب آخر، فمحمد من السودانيين المطّلعين على الأدب الماركسي بجدية، والمتعاطين معه، من مواقعه المستقلة، فمواقفه ليست قائمة من جهل وإنما من اطلاع وتفاعل–فيه الاتفاق وفيه الاختلاف ]

(2)
السطور أدناه اقتباس مطوّل، بعض الشيء، من كتاب ‘ممكنات السودان،’ لقصي همرور [2021، جوبا: ويلوز هاوس]، من الفصل الرابع: ‘حول صراع الهامش والمركز’:

“ظهرت نظرية صراع الهامش والمركز، أول ما ظهرت، مع بيان مؤتمر الوطن السوداني المتحد (أو مانفستو مؤتمر كوش) في تسعينات القرن الماضي [حيث تحدثت عن مستويين متداخلين من التهميش: تهميش تنموي وتهميش ثقافي، وعن تفاوت مراحل التهميش، وتركيب المستويين، بين مكوّنات السودان]. لاحقا، أعطى الدكتور جون قرنق ذلك البيان دفعة كبيرة في الأوساط المتأثرة بآرائه حين أعطاه ختم اعتماده، بكلمات قوية. سبب ذلك أن ذلك البيان عموما وفّر أرضية نظرية تاريخية داعمة لرؤية السودان الجديد [رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان]. قرنق فهم أن أطروحة/نظرية صراع الهامش والمركز مهمة له لأن رؤية السودان الجديد، باعتبارها رؤية لواقع جديد وممكن، أي نظرة مستقبلية، بطبيعتها ستستند على أطروحات نظرية، تاريخية وثقافية واجتماعسياسية، تدعم وتكمّل بناءها، وهو ما تفعل الرؤى الجديدة كهذه عموما وما تفعله الحركات الاجتماعسياسية المشغولة بالممارسة كأولوية؛ والفرق بين النظرية التاريخية والرؤية المستقبلية واضح. وقرنق عموما كان في تفكيره تلميذا لحركات التحرر الافريقية التي لها تاريخها وأدبها منذ قبل لحظة قيام الحركة الشعبية. هذه الحركات عموما كانت يسارية اشتراكية، مثل مشروع الاشتراكية في افريقيا (ومن أعلامه والتر رودني الذي كان بروفيسورا في جامعة دار السلام حين كان قرنق طالبا بها) ومشروع الافروعمومية pan-Africanism بشقيها النيريري والنكرومي (ونكروما كان ماركسيا بينما نيريري كان صاحب دفعة جديدة في التفكير الاشتراكي الافريقي ومتأثر بالمدرسة الفابيّة) ونظرية التحرر الوطني لأملكار كابرال، وكذلك حركة مناهضة الأبارتيد في جنوب افريقيا (بقيادة المؤتمر الوطن الافريقي وهو تشكيلة أحزاب من ضمنها الحزب الشيوعي الجنوب الافريقي، وكذلك حركة المؤتمر الافروعمومي بقيادة سوبوكوي). لكن، مع ذلك، لم توفّر ظروف الممارسة السياسية والعسكرية المباشرة لقرنق أن يضع نظرية تاريخية مستقلة لتشريح الوضع السوداني تحديدا وموضعته في أرض الصراع التاريخي العام – أي الصراع حول امتيازات السلطة والثروة وإعادة إنتاجها (أي تلك الامتيازات) في أي مجتمع وفق آلياته المحلية (وهي آليات لا يمكنها أن تتحرك خارج المجال الثقافي، لو فهمنا الثقافة فهما عمليا كما عرّفها كابرال وكما عرّفها ستيف بيكو وكما عرّفها قرامشي). قرنق والحركة الشعبية كانوا من البداية قادرين على التعبير عن حجم المظالم في امتيازات السلطة والثروة في السودان، وقادرين على تبرير موقف الحركة الشعبية من حكومات الخرطوم، وقادرين على الحديث العام حول مشاكل قوى السودان القديم، لكن كان من المهم، بالإضافة لذلك، أن تتطور نظرية تاريخية محلية توضح الآلية المحلية التي تولّدت وفقها تلك الأوضاع وتناقضاتها الأساسية.

وجود نظرية خاصة بالسودان – نوعا ما – كان مهما لأن السودان لديه منعطفات تاريخية خاصة ومكوّنات أنماط إنتاج خاصة (نسبيا)، واليساريون في الجنوب الكوكبي إجمالا، في ذلك الوقت، كانوا مدركين لضرورة استنباط نظريات تغيير اجتماعي محلية كون مجتمعاتهم غير رأسمالية وتخوض حربا ضد الاستعمار أو ما بعد استعمارية، فلا يمكن صبّ نظريات الصراع الطبقي التي تبلورت في أوروبا، في مرحلة تاريخية تخصها، على قوالب مجتمعات غير أوروبية صبّا مباشرا، كما ليس من الحكمة صبّ نظريات محلية من بلدان ومجتمعات مجاورة وكأنها تنطبق تماما على مجتمعاتنا (رغم التشابهات الأكبر). هذا الأمر ليس غريبا على حركات التحرر الوطني ذات الشفرة الفكرية النقدية….لذلك احتفى قرنق بنظرية الهامش والمركز، وتكاملت النظرية مع رؤية السودان الجديد.” [انتهى الاقتباس].

[ولعل ذلك التحالف الكبير والمستمر بين مانفستو كوش ورؤية السودان الجديد هو منبع الإشاعة القوية المنتشرة التي تصف محمد جلال بأنه عضو في الحركة الشعبية (وأحيانا يقال بأنه “عضو قيادي” في الحركة)، في حين أن محمد لم يكن يوما عضوا في الحركة الشعبية، ولم يكن متبنيا صامتا لخطها أو مدافعا عنها فحسب، إنما كان وما زال حليفا مستقلا من موقعه في مؤتمر كوش وكمثقف وفاعل سياسي مساهم في قضايا مشتركة وأصيلة. محمد جلال وفق هذا ليس كمنصور خالد مثلا (كمثقف سوداني معروف، من الشمال، وكان عضوا قياديا في الحركة الشعبية). في الواقع، وكما هو متوقع، فمحمد لديه مواقف ناقدة للحركة الشعبية وبعض خياراتها (والعكس صحيح بالنسبة لعضوية الحركة تجاه محمد)، لكن ذلك يجري من موقع الحلفاء–حلفاء المدى البعيد والسقوف العالية (أي ليس كتحالفات الحد الأدنى والمؤقتة)؛ وذلك مما يوضح تشكيلهم لتحالف الكتلة التاريخية في السنوات الأخيرة (والذي يضم الحركة الشعبية ومؤتمر كوش وجهات أخرى). وفي السنوات الأخيرة كذلك انضم الدكتور ابّكر ادم اسماعيل الى الحركة الشعبية، وابّكر كتب النسخة الأولى من مانفستو كوش ومعه محمد جلال – إذ جرت تحديثات للمانفستو في 2019 – كما أن ابّكر من رموز منهج التحليل الثقافي في السودان ومن مطوّري مسألة صراع الهامش والمركز (إذ يسميها ابّكر “جدلية” بينما يسميها محمد “صراع”)، مع تباينات أخرى مفهومة في أطروحات الاثنين.]


‘الايدولوجيا كوعي زائف’ مساهمة ماركسية (2)
والفرق بين الثقافة والايدولوجيا في منهج التحليل الثقافي

(استطراد حول تعاريف الأيدولوجيا ومعنى الوعي الزائف)
———

عبر الخيط الأول المعنون بنفس العنوان أعلاه، برز نقاش عن أصل أن “الأيدولوجيا وعي زائف” في الفكر الماركسي، ثم جاءت تساؤلات مشروعة – من بعض المشاركين – حول معنى الوعي الزائف. وجاء كذلك حديث عن الأصول المتعددة لمفاهيم التحليل الثقافي التي يستخدمها محمد جلال هاشم. أدناه نستطرد قليلا حول الاثنين.

(1)
تعريف الايدولوجيا كوعي زائف مستمد من كتابات ماركس وانجلز (انظر كتاب: الايدولوجيا الألمانية، وانظر رسائل إنجلز مثل رسالته إلى فرانتس مهرينغ في 1893). ولذلك فأصحاب المنهج المادي بالذات يفترض انهم لا يعترضون على هذا التعريف. [ومما أشار له عدد من المثقفين أن الماركسيين في زمننا اصبحوا لا يقرأون كتبهم، بحيث صارت المفاهيم الماركسية غائبة من نقاشاتهم وممارستهم العامة.]

يقول إنجلز، في رسالة من رسائله إلى فرانتس مهرينغ، بتاريخ 14 تموز( يوليو) 1893:
“إن الإيديولوجية إنما هي عملية يقوم بها من يسمى بالمفكر، وإن عن إدراك خاطئ. فإن القوى المحركة الحقيقية التي تحمله على النشاط تظل مجهولة بالنسبة إليه، وإلا لما كانت العملية عملية أيديولوجية. ولذا يصنع لنفسه تصورات عن قوى حافزة كاذبة أو ظاهرية. وبما أن الكلام يتناول عملية التفكير، فإنه يستخلص المضمون وشكله على السواء من التفكير الصرف، إما من تفكيره بالذات، وإما تفكير أسلافه. وهو يعنى بوجه الحصر بمادة تفكيرية، وهو يعتقد صراحة أن هذه المادة وليدة التفكير، وهو على العموم لا ينصرف إلى دراسة أي مصدر آخر، أكثر بعدا ومستقل عن التفكير . فإن هذا الموقف من المسألة يبدو له بديهيا لأن كل عمل يبدو له مرتكزا في آخر المطاف على التفكير، إذ انه يتحقق بواسطة التفكير….”

فهذا باب من أبواب تعريف/تأطير الأيدولوجيا. وهو تعريفها وفق الاستعمال الماركسي، ووفق استعمال المدارس الأخرى التي قبلت بهذا التعريف/التأطير (مثل منهج التحليل الثقافي)، لكن هناك تعاريف وتأطيرات أخرى متداولة للأيدولوجيا. المهم هنا أن التعريف أعلاه للأيدولوجيا موجود ومعتمد من جهات متعددة، ولذلك لا يمكن أن يوصف بأنه “تعريف خاطئ”.

في مساهمة سابقة، في أغسطس 2019، قلنا:
“للأيدولوجيا كمصطلح عدة تعاريف، أكثرها انتشارا ثلاثة تعاريف:
–الأيدولوجيا كعدسة لرؤية الواقع: وهو نفسه تعريف النظرية الاجتماعية عموما، والسرديات العظمى؛ فقط ربما تكون عبارة الأيدولوجيا أوكد في الالتزام السياسي.
–الأيدولوجيا كتحنيط وتزييف للواقع: بينما الواقع يحتمل الديناميكا والتنوّع والتباين تكون الأيدولوجيا حاجزا أمام كل ذلك، للفرد وللجماعة، فتعتقلهم في زاوية معيّنة ولحظة تاريخية معيّنة تكاد لا تتغّير رغم تغيّرات محيط الواقع. الأنثروبولوجيون يستخدمون هذا التعريف كثيرا. وعلى سبيل المثال، أهل منهج التحليل الثقافي في السودان يستعملون هذا التعريف في نعتهم للأيدولوجيا الإسلاموعروبية.
–الأيدولوجيا كمذهبية فكرية: وهنا تكون الأيدولوجيا باعتبارها فلسفة متكاملة، تنتظم فكر المرء وقوله وعمله، فهي خلاصات معرفية/تاريخية هي وتصوّرات حاضرة ومستقبلية وفق تلك الخلاصات وهي منهاج عمل لتحقيق تلك التصوّرات.”

هذه التعريفات المتداولة للأيدولوجيا. من أراد أن يستعملها وفق التعريف الذي يريد فليفعل، لكن من غير الموضوعي ومن غير المنصف أن يصف التعريفات الأخرى بأنها “خاطئة”، فما دام هنالك تواضع عليها واستعمال لها في تداول الأفكار، وما دامت لها دلالة مفهومة وموثقة وسط المستعملين، فليست تعريفات خاطئة. والمفكر أو الكاتب الذي يختار أحد التعريفات أعلاه ثم يلتزم به لا غبار عليه.

(2)
فالوعي الزائف هو تشكيل رؤية أو نظرية شاملة حول الواقع لكنها مبنية على تخيلات خاطئة أو أسس مفترضة/موروثة لا تصمد أمام الواقع نفسه. مثلا، عند الماركسية فإن مؤسسات الايدولوجيا في المجتمع تقنع الطبقة العاملة بوجود مصلحة مشتركة في حفظ النظام القائم ووجود وئام وتكامل، وليس صراعا، بينها وبين الطبقة الحاكمة، وتصوّر لها واقع الاستغلال على أنه جزء من سيرورة الحياة الطبيعية وإدارة المجتمع بصورة صحيحة ومنظمة، فيؤدي ذلك الوعي الزائف إلى تأخر صعود الوعي الطبقي الذي يمكن أن يحرّك العمّال لنيل حقوقهم وتغيير الطبيعة الاستغلالية للترتيبات الرأسمالية للمجتمع.

فالوعي الزائف والايدولوجيا مترابطتان بمعنى أن الايدولوجيا لا تبني على حقائق الواقع إنما على فرضيات واعتقادات مختلقة. مثلا، العنصرية مبنية على فرضية واعتقاد مجموعة من الناس بأنهم أهل خصائص متميزة ومودعة فيهم، فتنتج عن هذا الاعتقاد مجموعة رؤى ونظريات (ايدولوجيا) كلها تسير في خط تأكيد هذا الاعتقاد والفرضية، بدل النظر للواقع كما هو واستنتاج أننا جميعا بشر وأن ملكاتنا الجسدية والعقلية نتيجة لتفاعلات بيئية واجتماعية لا تخصنا وحدنا كمجموعة إثنية معيّنة من بين جميع إثنيات العالم…. وهكذا. فالوعي الزائف (الايدولوجيا) مبني على سرديات أساسية مخالفة للواقع ومزيّفة له، كما هي في العادة سرديات محنطة وموروثة من تصورات قديمة ضيّقة عن الذات وعن الآخرين.

وفق هذا الفهم فإن الأيدولوجيا، كوعي زائف، عدوة للفكر التقدمي وللمذهبية المنهجية، لأن الفكر والمذهب يُفتَرض بهما أن يكونا حصاد تفاعل بين العقل والواقع، وحصاد تطور ديناميكي لا يتوقف إلا بتوقف دواليب الواقع ودواليب التعلّم والتأقلم.

(3)
ولأن هنالك تداخلات ودواعي خلط بين الأيدولوجيا وبين موروثات وخبرات الشعوب ومحركاتها العامة في المجتمع، يقدم محمد جلال هاشم معالجة لهذا الأمر عن طريق التمييز بين الثقافة والأيدولوجيا، فالثقافة ديناميكية ومتطورة ومتفاعلة مع الواقع (أي قادرة على تجاوز مناطق القصور في التصورات القديمة وقادرة على تكييف الشعوب وفق المعطيات الجديدة) بينما الأيدولوجيا تحبس الناس في ذلك الوعي الزائف فتضيّق عليهم براحات التطور والتعلم من الواقع. لهذا يقول محمد جلال إن الأيدولوجيا الاسلاموعروبية ضارة بينما الثقافة/الثقافات العربية والإسلامية ليست ضارة وليست أحادية أو متصلبة، بل بارعة ومتطورة وأصيلة كبقية الثقافات في السودان، وفي العالم.

وكما يقول ستيف بيكو، فإن الثقافة هي “الإجابة المركبة للمجتمع على مشاكل الحياة المتنوعة”. جاء في كتاب “ممكنات السودان”: “وإن كونها إجابة مركّبة، مخلوطة، وغير مبوّبة، يجعلها ديناميكية في مقابلة مشاكل الحياة المتنوعة،ويجعلها تثرى كل يوم بما نضيفه لها أو نغيّره فيها وفق امتطائنا لها في الحياة العامة، وإن النظر للثقافة بهذا المنظور يجعلها مركزية في أي عملية تغيير اجتماعي جاد.” ومن هذا الباب كذلك تعامل أملكار كابرال مع الثقافة باعتبارها وسيلة تحرر (ونعتبرها كذلك وسيلة من وسائل التنمية).

محمد جلال هاشم وفّر التأصيل لمنهجه في كتبه وأوراقه المنشورة، منذ أول كتاب له من سلسلة منهج التحليل الثقافي في ثمانينات القرن الماضي، وفي تلك الكتابات وضّح استناداته على تعريف انثروبولوجيين كتايلور للثقافة، وعلى كتابات قرامشي، وحتى كتابات ماركس وإنجلز، وعلى مساهمات علي مزروعي في موضوع “الهوامش المتعددة/المركّبة” في السودان، ثم تطوير الأفكار لاحقا عبر التلاقح مع مساهمات أخرى مثل نظرية ‘أنظمة العالم’ لوالرستين، مثل أي مفكّر من هذا العصر يستند على ما توفّر من مساهمات سابقة ويبني عليها ثم ربما يقدّم شيئا جديدا ومتجاوزا–وتلك فرصة مكفولة لأي صاحب فكر جاد إذا أوفاها حقها. وضّح كذلك في كتاباته أن منهج التحليل الثقافي أكثر من مدرسة واحدة، ثم عرّف ما يعنيه هو وعرّف أدواته ومحرّكاته. كما أن تواريخ نشر كتابات محمد جلال في الموضوع توضّح أنه فكّر وكتب في مسألة التحليل الثقافي كمنهج في أوقات متقاربة مع مفكرين آخرين حول نفس الموضوع.

وللحديث شجون….

أضف تعليق