بين التجريد والتجسيد برزخ

بين التجريد والتجسيد برزخ، أو سديم تداخل.
قد يستبعده الفلاسفة في سبحات التجريد، وقد يتجنّبه الممارسون في ميادين التجسيد.

هنالك حيث تكون النُظُم، ويكون بناؤها؛ ويكون البراكسِس.
تُبذَرُ بذرةٌ هنالك، لتتمدد جذورها في فضاء الفلسفة وتتذلّل قطوفها في فضاء العمل.

يشوّقني ويساورني التجريد، ويشدّ همّتي التجسيد.
فأجد مكاني السلس في البرزخ، بينَ بينْ،
وحينـًا أسيح هناك وحينـًا آخذ معولي هناك.

هذا الوسط، عروةٌ وورطة.… More

بين الأنساق الكبرى والتفاصيل

النظر للأنساق الكبرى (الصورة الكبيرة) يحجب التفاصيل.
والنظر للتفاصيل يحجب الأنساق الكبرى (والتفاصيل التي في العوامل الأخرى).

ولكل “منظور” أهميته، فعلى سبيل المثال، كما قال نسيم طالب، إن النظر لتفاصيل ألوان عيون الناس وانت تقطع في الطريق سيذهلك عن الانتباه للشاحنة الهادرة نحوك؛ وفي الجانب الآخر من السهل جدا الانشغال بالتفاصيل في مسألة ما عن الصورة الكبيرة (وهذه يكاد يكون معظم الباحثين في العلوم والدراسات الانحصارية، في العصر الحديث، متورطين فيها).… More

معهد لدراسات القرار: مقترح

Institute for Decision Studies

(1)

دراسات القرار (decision studies) ليست مصطلحا شائعا، لكنه موجود، في الدوائر الأكاديمية مع بعض الانعكاسات على مجالات العمل الأخرى المتصلة بها. وهنالك أيضا ما يسمى بعلوم القرار (decision sciences) وتسميتها بالعلوم يفيد إضفاء المزيد من السطوة المعترفة (authority) لها،[1] أو على الأقل إضاءة ذلك الجانب من مسائل صنع القرار الذي يستعين على “علوم” معتمدة، مثل الاقتصاد (بما يشمل الاقتصاد السياسي والاقتصاد السلوكي والاقتصاد المؤسسي) والإحصاء (بما يشمل نظريات القرار الإحصائية) وعلم البيانات، وتعلم الآلة (machine learning) وعلوم الرياضيات والبرمجة، وسايكولوجيا الإدراك (cognitive psychology)، إلخ.… More

الحوكمة وصنع السياسات: مدخل

نظام الدولة العصرية في الغالب أعقد نظام اجتماعي في التاريخ قاطبة. يتشكل من أجهزة ومؤسسات كثيرة، تتوزّع عليها سلطات، وهذه السلطات تتقاطع وتتداخل. ثم في كل جهاز ومؤسسة هنالك هياكل قائمة بذاتها ثم لديها حلقات اتصال مع مثيلاتها. الأجهزة أجسام والمؤسسات قواعد؛ وأحيانا للأجهزة وجوه ناعمة وللمؤسسات وجوه صلبة. ووفق كل هذا التعقيد تكون الإدارة وتحريك الدواليب بأيدي أشخاص متبايني النوايا والمصالح والقدرات، فيؤثر اختيارهم ومنصبهم في المواضع الحساسة في ذلك النظام على جميع الحكاية.… More

التنمية وعُراها: عن مكان الاقتصاد من التنمية ومكان الدعم السلعي من الاقتصاد

مسألة تخفيض الدعم السلعي، أو خلافه، في السودان، في هذه الأيام، مهمة – وقد ذكرنا سابقا أن الجماهير دخلت في نقاش وتعلّم جاد حول الاقتصاد السياسي عموما من بوابة مسألة الدعم السلعي، وتلك محمدة – لكنها استغرقت من الناس الكثير من الاهتمام، والأخذ والرد، على حساب مسائل أخرى لا تقل عنها أهمية إن لم تكن أهم. بعض الناس حاولوا أن يبقوا خارج التداول الحاد بصيغة “مع أو ضد”، لا زهدا في المواقف وإنما لأن الجانب الذي ينقص فيه عدد الناس الآن هو جانب النظر للقضية من ناحية النظُم ومن ناحية الأمد المتوسط والطويل. … More

الضرائب والضرائب

من الأشياء المثيرة للاهتمام، في المعمعة الكوكبية في السنوات الأخيرة، أن هنالك أطروحات اقتصادية سياسية صارت تجد توافقا كبيرا، ومؤسسا وموضوعيا، بين الاشتراكيين والرأسماليين معا.

إحدى أكبر تلك الأطروحات، والتي نجد حاليا الكثير من الاقتصاديين وصانعي السياسات والدارسين (scholars) يؤيدونها ويدفعون بها كأجندة أساسية في المجال العام، سواء أكانوا رأسماليين أو اشتراكيين أو “بين بين” او “لبراليين اجتماعيين”، أطروحة رفع الضرائب التصاعدية على الأثرياء، وبالذات على رؤوس أموال الأثرياء (سواء أكانوا شخصيات حقيقية أو اعتبارية/قانونية كالشركات الكبرى)، مع تعميم هذه الأطروحة إقليميا وعالميا نظرا لترابط الاقتصاد العالمي (العولمي) بشكل غير مسبوق في التاريخ ونظرا لكثرة حركة رأس المال وقفزه من بلد لآخر – بدون أي اعتبار لعواقب ذلك القفز على اقتصاد المجتمعات – كلّما تغيّرت السياسات الاقتصادية عبر الحدود.… More

روابط الدولة والسياسة والدين: بعض المفاهيم

الدولة والسياسة ليستا نفس الشيء.
ولذلك فعبارة “فصل الدين عن الدولة” ليست هي نفسها “فصل الدين عن السياسة”.

الدولة هيكل ومؤسسات؛ اقصد الدولة العصرية. أما الأديان، باعتبارها نُظما إيمانية بمرجعيات غيبية وسلوكيات طوعية (وهذا تعريف ناقص) فليست نماذج دولة عصرية، بطبيعة الحال، لكن بطبيعة الحال أيضا هنالك تداخلات في المجالات بينهما ويعزى ذلك عموما لاشتراكهما في دائرة أخرى مهمة جدا وواسعة جدا: المجتمع.… More

حول العلاقة الثلاثية: الدين والدولة والسياسة

[بلغة الكلام في السودان]

ما بننكر انه المسألة – مسألة العلاقة الثلاثية، بين الدين والدولة والسياسة، في العصر الحديث – فيها جوانب معقدة، والإجابات فيها موش جاهزة خالص، ولا بالضرورة بديهية؛ لكن في موجّهات تفكير مفروض تكون راسخة في أرضها، بحكم التاريخ والإطار العام لتطورات الأوضاع الحاكمة زمننا.

بمجرد ما بنتكلم عن ‘دولة عصرية’ (اي تستوفي النموذج المعاصر للدولة حسب المفاهيم والعقود المتواضع عليها عالميا) فده بيعني انها دولة مواطنة جغرافية-سياسية (جيوسياسية) بالمعنى الصريح، يعني حدودها وصلاحياتها وقوانينها بتتشكل عبر قرارات مواطنيها وتفاعلاتهم في الرقعة الجغرافية ذات السيادة، مع استيفاء شروط تاريخية متعارف عليها في الواقع الدولي، الأمر الذي يجعلها دولة غير لاهوتية وأيضا غير عشائرية، وغير ذات حكم مطلق على الرعايا، بالضرورة؛ وده بيختلف اختلاف جوهري عن معظم نماذج “الدول” أو الممالك التي توفرت في التاريخ القديم.… More