نقاشات في خضم الثورة

 

عن العصيان المدني
(مقال مستعاد من 4 يونيو 2019 – وما أشبه الليلة بالبارحة)

يُعَرّف العصيان المدني عموما بأنه رفض الامتثال لقوانين وسلطة رسمية بناء على أرضية أخلاقية وسياسية تُعتَبر أكبر وأولى من طاعة القانون والسلطة الرسمية، مهما كلّفت النتائج. ولذلك فالعصيان المدني لا يكون عادة نتيجة اختلاف في سياسات ما مع السلطة، في بيئة سياسية معقولة جملةً، إنما نتيجة اختلاف على مستويات أكثر جذرية.

والعصيان المدني الشامل يتضمن الإضرابات العامة، السياسية، واسعة النطاق، ويوجّهها، ضمن ما يوجّه من أنشطة أخرى كثيرة، تتضمن المواكب الاحتجاجية، والاعتصامات، واحتلال الميادين والمرافق العامة، وعموم الأنشطة والترتيبات التي تؤدي إلى عجز السلطات الرسمية على إدارة دولاب الدولة لفقدانها الموارد الشرعية وغياب الاعتراف والامتثال عند الأغلبية الغالبة من المواطنين.

أنشطة العصيان المدني تخلق فراغا في سلطة قانون الدولة ومتنفّذيها، وتستبدله بسلطة أو سلطات أخرى بديلة، ذات شرعية مدنية وأخلاقية وإن لم تكن رسمية؛ وبخلقها لذلك الفراغ من جهة، وخلقها لسلطة بديلة من جهة أخرى، تُحدِث حزمة أنشطة العصيان المدني تغيّرا كبيرا في سير الحياة العامة في الدولة، وتعيد توزيع مراكز القوى، بحيث يظهر عجز السلطات الرسمية التي تجد نفسها متنفّذة بدون منافذ، مثل البندقية بدون ذخيرة أو القطار بدون طاقم تشغيل ووقود.

مثلا، شاهدنا في يومي الإضراب السياسي العام، ٢٨ و٢٩ مايو، كيف أن التوقف النسبي لحركة المصارف، وحركة النقل العام (أرضا وجوّا)، وتلويحات انقطاع الكهرباء عن مناطق حيوية (فما بالك ببقية قائمة الخدمات العامة) أثارت جزع العساكر والجنجويد وممالئيهم، لأنه ذلك يعطّل دولاب الدولة كثيرا فيفقدون معها قسطا كبيرا من قوّتهم المستمدة أصلا من دولاب الدولة ومواردها والغطاء الشرعي الذي بدونه لا يمثّلون شيئا.

وحين يقوم العصيان المدني الشامل، كما ذكرنا، بخلق سلطة مدنية موازية لسلطة الدولة وتأخذ مشروعيتها، كما ذكرنا، بالتفاف الأغلبية حولها، وقدرتها على تسيير الأحداث وتنسيق جهود المواطنين، داخليا وخارجيا، بصورة أكثر فاعلية من السلطات الرسمية، يتضح أكثر، داخليا وخارجيا، أن الشعب هو الذي يعطي السلطة وهو الذي ينزعها في الواقع.

وبهذه الطريقة، يقود العصيان المدني عموما إلى سوق الأوضاع في الدولة للحظة ذروة، أو لحظات ذروة، تتيح لقوى الشعب أن تستغلها لسحب السلطة الرسمية من الأقلية المرفوضة. سيناريوهات لحظات الذروة هذه كثيرة، وإن كنّا لا نستطيع التنبؤ بكل تفاصيلها استباقا إلا أننا نعرف أن العصيان المدني هو الذي يسبقها ويقود لها.

ومن باب الشفافية مع الشعب، فيما بيننا، نقر أن نتائج العصيان المدني ليست معروفة أو مضمونة مسبقا، لكن ما يمكن تأكيده أن العصيان هو المسار الوحيد السليم حاليا في سيرة الثورة الشعبية السودانية. وكما لم نكن متأكدين مسبقا من نتائج اعتصام القيادة العامة إلا أنه كان تكملة التراكم الثوري الذي أدّى لسقوط البشير؛ وكما لم نكن متأكدين من نتائج يومَي الإضراب السياسي إلا أنه أثار جزعا واضحا لدى المجلس الانقلابي وممالئيه.

ما دامت هذه ثورة شعبية سلمية مدنية، فالعصيان المدني الشامل هو معقل ترسانتها الكبرى، وهو كذلك، غالبا، خط دفاعها الأخير.


(31 ديسمبر 2021، مساهمة عبر الوسائط)
 
شعوب السودان لن تحكمها بعد اليوم طغمة ليست لديها رؤية وآليات حقيقية (لا مجرد أماني وتلويحات) لإدارة الدولة ومعالجة مشاكلها، وقادرة على بناء سند جماهيري شرعي وفق تلك الرؤية. لن تحكمها أي لن يستقر لها الحكم، ولن تستتب لها الأمور، مهما فعلت ومهما قالت ومهما أنفقت من طاقة وزمن ومهما حشدت من ترسانة وأعوان خارجيين.
 
من يشاهد تطور مستوى التناول السياسي والاجتماعي بين عموم أهل السودان، وعمق مستوى التفكير السياسي والاجتماعي وسط نسبة مقدّرة من جيل الحراك الثوري (أي أصحاب النسبة الغالبة من أهل الحراك وأصحاب الوجعة، وهم تقريبا بين العشرينات والثلاثينات من العمر)، ومن يحالفه التوفيق في التواصل والانخراط مع الكثير من لجان المقاومة على مستوى العمل الجاري عندها في ملء فراغات التفكير والتنظيم (وهو مستوى عمل يستحق توثيقا خاصا به)، لن يبتعد من خلاصة أن هنالك فهما، محلي الملامح عالمي المواكبة، توطّن ويتوطّن في هذه البلاد من بركات الحراك الثوري، وهو لم يبدأ من ديسمبر 2018 (بل ديسمبر كان أحد تجلياته) إنما يمكن تتبع تخلقاته منذ سبتمبر 2013 وما تبعها من هضم للدروس الصعبة. وهذا لا يعني أنه لم يكن هنالك فهم كهذا قبل التواريخ المذكورة آنفا، لكنه لم يكن متوطنا مثلما هو اليوم. كان متفرقا على مجموعات محدودة الحجم والأثر، وهو الآن أوسع من ذلك بكثير.
 
يضاف لذلك، أننا شهدنا في السنوات الأخيرة أفقا جديدا في البسالة والتضحية، من أجل غايات كبرى (التحرر والتنمية)، وأقول التضحية لا الضحايا، رغم أنه صحيح أن وتيرة الضحايا زادت، وما نقص وقع الألم، لكن كلما استعمل الطاغوت أدوات العنف المفرط ليقهر الجماهير كلما قلّ مفعوله الذي كان يتمناه، فمع المزيد من الضحايا زادت جسارة الجموع، واختزنت شجاعة جماعية، ووعيا جماعيا، وانتظاما جماعيا.
 
هذا تعميد بالنار (baptism by fire) وابتلاءٌ مثل صهر الفولاذ لتشكيله وصقله، مر ويمرّ به الشعب السوداني، كيما يتأهّل لموقعه كعملاق آخر ينهض في تاريخ البشر. والعملاق حين ينهض لا يحكمه الصغار، الذين يتمنون ويحلمون ولا يفكّرون ويدرسون، والذين يقدّمون أنانياتهم الصغرى على الأنانية العليا (حيث تتلاقى مصلحة الجماعة ومصالح أفرادها، وحيث يؤخر الفرد نفسه ويقدّم الآخرين في الشأن العام).
 
في مثل هذا الخضم، وهذه اللحظات التاريخية المصيرية، يتوحد صوت الحكمة وصوت الثورة، فمن ينادي بالحكمة كنقيض للثورة فارق الحكمة وإن ادّعاها، ومن ينادي بالثورة حماسا بدون فكر لا يستره حماسه عن فراغ فكره. الحكمة الآن تقتضي الثورة وإن بدت متطرفة، فهو تطرف ضروري لإعادة وزن الأمور. كان الأستاذ محمود محمد طه يقول، في هذا السياق، إن الورقة إذا كانت مطوية في اتجاه ما، وأردت أن تعيدها مستوية، عليك أن تطويها في الاتجاه الآخر، مكان الطيّة القديمة، لبعض الوقت.
 
وكما قال الشاعر:
كلمةٌ لابد أن تقال،
في بركة الركود هذه
لا غير هزةٍ عنيفةٍ تخلخل الجبال،
تحرر الأثقال.
في كومة الركام هذه
لابدّ من زلزال….
 

فترة انتقالية ثورية أم فترة انتقالية ساي؟
(3 نوفمبر 2021، مساهمة عبر الوسائط)
 
هنالك حجّة يعاد تكرارها وتدويرها، وهي أن المخرج السليم في الفترة الانتقالية هو تكوين اكبر جبهة عريضة من القوى المدنية السياسية والاجتماعية، أي أن الحاضنة المسماة قوى الحرية والتغيير أخطأت الخطأ الأساسي في أنها “لم تشرك” القوى السياسية الأخرى خارجها في السلطة وهياكلها في المرحلة الانتقالية، وأنها لو فعلت ذلك لكانت تمكّنت من تكوين حكومة ذات دعم وطني واسع وتكوين مجلس تشريعي من اختيار المدنيين 100٪؜.
 
رأينا الذي ليس بجديد هو أن هذه الحجة مغلوطة بشكل كبير، وفيها تغييب للمشكلة الأساسية. المجلس العسكري من البداية كان وجوده في الاتفاقية المشؤومة مصدر غلغلة، بل منذ إنشاء المجلس العسكري، كما حصل في الثورات السابقة، بدأت عملية سرقة الثورة أو انحرافها. تشكيلة المجلس التشريعي منذ ذلك الوقت ما كان من الممكن أن تكون 100% اختيار القوى المدنية.
 
إذا نظرنا حول العالم، ولقينا نموذج لفترة انتقالية جاءت بعد ثورة شعبية، في أي بلد في العالم، ثم تمّت مشاركة السلطة الانتقالية مع “أكبر جبهة عريضة من القوى السياسية والاجتماعية” ونجحت تلك الفترة الانتقالية في تحقيق أهدافها، حينها علينا النظر في تلك التجربة. لأنه إذا كانت كمية التناقضات الفكرية والمصلحية داخل قحت كافية لوحدها لأن تجعل الحكومة الانتقالية لا تعرف الاتفاق على أي شيء مفيد وعملي كحاضنة للحكومة الانتقالية، كيف يكون حل المشكلة بإضافة المزيد من التناقضات للسلطة الانتقالية؟ (مع العلم أن قحت فعليا كانت أوسع جبهة سياسية حكمت السودان في فترة انتقالية قبل كده). في واقع الأمر، إحدى المشاكل الأساسية في هذه الفترة الانتقالية هي تقديم المشاركة السياسية السلطوية البحتة على البرنامج السياسي الانتقالي الواضح.
 
من مهام الفترة الانتقالية توسعة المشاركة في الحراك السياسي العام: السماح بحقوق التنظيم والتعبير والتجهيز للانتخابات، وحريات العمل العام والعمل الإعلامي والترويجي المؤثر في الرأي العام. هذه حقوق وحريات سياسية يجب أن تكون مكفولة لجميع المكونات السياسية في المرحلة الانتقالية، ومن واجبات السلطة الانتقالية ضمان ذلك الفضاء وحمايته. ليس من أهداف الفترة الانتقالية أن تكون جميع المكوّنات السياسية (أو أوسع طيف ممكن) في سدة الحكم. عمليا هذا غير ممكن، وإذا حصل فيكون مثارا للتناقض غير المنتج وغياب القدرة على الاتفاق الكافي للقرار والعمل، لأنه بهذه الطريقة تكون أجهزة الحكم ودوائر القرار ميدانا لانفجار التناقضات وليس للتنسيق والقرار والتنفيذ. المعروف عمليا ومنطقيا في الثورات ان هنالك قوى تنتخبها ديناميكيات الثورة لتدير مسار الفترة الانتقالية بالشرعية الثورية. في مثل هذه الحالة فالأولى بالمكوّنات السياسية الأخرى ليس أن تطالب بالمشاركة في السلطة وإنما أن تطالب السلطة الانتقالية بضمان توسعة القدرة على الحركة في الفضاء العام والتجهيز العادل للانتخابات (التنفيذية والتشريعية)، بالإضافة طبعا للمشاركة بالصوت والرأي في ترتيبات صناعة الدستور وفي الإدلاء في القضايا الدستورية الأساسية…. وللحديث شجون.

(4 نوفمبر 2021، مساهمة عبر الوسائط)
 
رأينا في أن المؤسسة العسكرية، في مجمل بلدان ما بعد الاستعمار، بحاجة لإعادة نظر/هيكلة شاملة، حتى تنتقل من مؤسسة تشكل عقبة أمام بناء الدولة إلى مؤسسة تلعب دورها في بناء الدولة وحماية الناس والأرض وفق المهام الموكلة لها بسلطة الشعب، رأي قديم، نشرناه هنا وفي قنوات أخرى من قبل (ولنا رأي آخر وقريب بخصوص البوليس كذلك)، وتطرقنا لتجارب ونماذج ممكنة في هذا الشأن.
 
اليوم، نحاول بذل قواعد تصلح لإعادة تعريف المؤسسة العسكرية (القوات المسلحة):
  1. ميثاق شرف جندي: مثل قَسَم أبقراط لدى الأطباء، يقسم الجندي حامل السلاح أن لا يُستعمل سلاح في وجه مواطنين عُزّل، حتى لو أمِر بذلك من قبل زعيمه العسكري، والمسؤولية عن هذا القَسَم مسؤولية مباشرة لا وكالة فيها (وبذلك ينكسر التقليد العسكري البائس الذي يفرّق المسؤولية الأخلاقية والقانونية للجريمة على مستويات متنوعة وتفاصيل لا تغني من الواقع شيئا).
  2. مادة دستورية تمنع تدخل القوات المسلحة في ترجيح كفة أي صراع سياسي مدني؛ فقط حماية المواطنين والمرافق العامة من أي عدوان مباشر نتيجة صراع سياسي أو طوارئ استثنائية (مع تعريف تلك الطوارئ درءًا للثغرات القانونية)، مع عدم الإخلال بالقاعدة 1.
  3. أي منسوب عسكري للقوات المسلحة (ضابط أو ضابط صف)، إذا حاز على أي منصب دستوري (في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية) يفقد تلقائيا عضويته في القوات المسلحة وصلاحياته عبرها، ولا يمكن استعادة تلك العضوية قبل الخروج من المنصب الدستوري.
  4. تثبيت الحق الدستوري المنصوص للجماهير في المقاومة المفتوحة لأي سلطة تخالف القواعد 1، 2، 3.

(20 نوفمبر 2021، مساهمة عبر الوسائط)

سواء كان الانقلاب يلفظ أنفاسه الأخيرة أم لا، هذا لا يجيب على طموحات الثورة الكبرى: الحرية والسلام والعدالة (والتنمية؟)
 
بصورة عامة، هذا أفشل انقلاب ناجح (يا للمفارقة) في تاريخ السودان، لكنه تقيّح من أزمة أكبر منه، فهو عرَض وليس المرض نفسه، وتلك الأزمة ابتدأت بانحراف الثورة الشعبية إلى مساومات صفوة وإصلاحيين (أي غير ثوريين) ومعهم متسلقين. السيناريو القادم لما بعد سقوط تركيبة السلطة الحالية سيناريو يجب ان تكتبه قوى الثورة، أو ستكتبه قوى وعوامل أخرى، جميعها غير ثورية. إذن فكون هذا الانقلاب سيستمر ليومين او اسبوعين او شهرين او سنتين، ليس هو الشاغل السياسي الصحيح. الشاغل السياسي الصحيح ينطلق من منصة “كيف نحقق أهداف الثورة” لا “كيف نتخلص من الذين انحرفوا بالثورة”، وذلك لأن إجابة السؤال الأسبق تشمل الآخر وزيادة—تشمل البناء بعد الهدم، فالهدم ضروري لكنه لا يكفي.
 
الانتقال من الحشد إلى التنظيم فريضة، والتنظيم تقوم به جماعات تجمعها مصالح واضحة وأفكار/رؤى واضحة، ثم تنتظم الأعمال وفق الهياكل والمهام. لا بد أن نفطن لهذه المسألة كأساس تاريخي ومجرّب للتغيير. وبطبيعة الحال فالجموع التي لها خبرة محلية مع العمل المنظم أكثر قدرة على استنطاق مصالح مشتركة واضحة وعلى تبني أفكار عامة (رؤية) واضحة…. وللحديث شجون

(17 نوفمبر 2019، مساهمة عبر الوسائط)

لست من دعاة العنف كحل لمشاكل العصر الحديث، لأنه لا يحل، وفي أفضل حالاته قد ينجح في استبدال مشكلة بأخرى، أو يقود الأطراف المتنازعة للاقتناع بضرورة تجاوزه بعد تجريبه.

لكني كذلك لا أعيش خارج هذا البُعد الذي نقطنه، وأعلم أن من لا يقدرون على حماية أنفسهم يصبحون عُرضة للانتهاك والمذلة بيسر. الدمج بين مبدئية اللاعنف وبين استعداد القوة المحسوبة ممكن، ومطلوب في هذا العصر.
 
من المقاربات التي أفكّر فيها منذ سنوات (ولست وحدي بطبيعة الحال)، والتي يحيط بها جدل كثير، مقاربة تغيير بنية الجندية في البلد وليس فقط إصلاح البنية السائدة.
 
حتى لا تبتزّها قيادات الجيوش، وقيادات الجماعات المسلحة غير المنضبطة، ولا تستغلّها الأيادي المتحكمة في سبل كسب العيش، ربما ينبغي للشعوب أن تتعلّم وتتقن الدفاع عن النفس، بالسلاح وبالتنظيم الأفقي، وينبغي لها أن تسعى لجعل الجندية بجميع تفريعاتها (جيش وشرطة وحرس حدود وبحرية، إلخ) مهام غير دائمة، أي ليست وظائف وحِرَف لأغلبية شاغليها.* وهذا المسار لا يقود لعسكرة الشعوب بالضرورة، كما يخشى البعض، إنما يمكن أن يقود لجعل المؤسسة العسكرية مؤسسة شعبية بحق، ويحيّد السلاح في فض النزاعات السياسية والاجتماعية بين الجماعات المتباينة في المجتمع الواحد.
 
كثير من مشاكلنا المعاصرة مرتبطة بمؤسسات (institutions) وليس بحالات (cases)، فمن الأجدى التفكير في مقاربات تراجع وتستبدل المؤسسات نفسها. والتفكير بداية لا بد منها لإحداث نقلات نوعية، لا يستنكرها إلا من لا يقرأون التاريخ أو يعتبرون به.
 
– – – – – – – –
*تحدثنا سابقا عن استبدال مؤسسة البوليس (الشرطة) بصورة جذرية. وذلك ينطبق بصورة كبيرة على بقية مسارات الجندية في الدولة العصرية. وهذا ليس طرحا خياليا، بل بعض الدول المعاصرة تطبّقة في مستويات يمكن البدء بها (تفكيرا على الأقل)، مثل تنظيم الجندية في إسرائيل (والتي اضطرت لذلك لقلة تعداد مواطنيها وكونها في حالة حرب مستمرة وحتى لا تتوقف بقية أنشطة الحياة، فتقريبا كل مواطن ومواطنة إسرائيليين – مع بعض الاستثناءات – تجاوزوا السن القانونية جنود في قوات الدفاع الإسرائيلية، إما في الخدمة أو في الجيش الاحتياطي). أيضا هنالك نماذج أخرى متمايزة قليلا، كاليابان وألمانيا. لكن العبرة الأساسية هي إمكانية ابتكار نمط جديد، لم يجرّب من قبل.
 

عن الميثاق الثوري لسلطة الشعب
(6 أبريل 2022، مساهمة عبر الوسائط)

عمل محترم، وغطى مسائل لم يغطّها من قبل ميثاق سياسي سوداني واسع التوافق بهذا المستوى. والشيء المتميّز فيه حقا الطريقة التي تمّ عبرها بناؤه ودمجه وتعديله، إذ “تم بناءه بعصف ذهني جماعي قاعدي وحوارات بأذهان مفتوحة لحوالي 15 ولاية، وناقشته بقية الولايات.” احترام كبير.

مناطق التحفظ على نقاط الميثاق محفوظة، وهي مناطق مهمة في نظرنا (خاصة في الجانب الهيكلي والجانب الحوكمي، مثل التقسيم المختلط والمترهّل حقيقة للوزارات والمفوضيات – أسماء كثيرة وتجميعات غير مبررة – ومثل التفريق بين مهام مترابطة في أصلها كالانتخابات وصناعة الدستور، ومثل نسيان مهام أساسية ومحورية كمفوضية التنمية المستدامة، مع وجود مفوضيات لا داعي لها أو مكررة المهام، ومثل غياب بعض النقاط المهمة المتعلقة بمقاربة العدالة الانتقالية وبالتعامل مع ظاهرة دولة الميليشيات، ذلك الغياب الذي يفتح الباب أمام تكهّنات مقلقة أحيانا، إلخ)، فمجمل هذه المناطق عرضة للمزيد من النقاش والتكميل بالتداول والتجربة.. لكن سأتناول هنا بعض الإيجابيات المهمة:

– محاولة وضع تصوّر مفهوم وملموس لعملية تصعيد السلطة في الدولة من القواعد (المحليات والنقابات – أو مكان السكن ومكان العمل) محاولة مقدّرة، لأنه وفق ذلك يمكن الأخذ والرد بخصوصها، وكذلك فيها تحفيز لمن ينتقدون التصوّر أن يقدموا تصوّرهم البديل، فكذلك نكون انتقلنا من مرحلة التجريد لأولى مراحل التجسيد.

– رغم بعض النقد الذي جاء للميثاق بخصوص لغته المتعلقة بطبيعة الدولة السودانية، إلا أني أرى أن لغته متقدمة عموما وفيها تشريح محترم لتلك المسألة، كما أنه لم ينس تسمية العلاقات الرأسمالية العالمية بالاسم (والرأسمالية علاقات سلطة وثروة بطبيعة الحال) كمصدر من مصادر المشكلة الموروثة من الحكم الاستعماري وطريقة هندسته للدولة واستعماله للموانع الهيكلية (“العرق”، الدين، الثقافة والنوع). إذا أردنا أن “نحكّها” مع الميثاق فسنلبث طويلا، لأنه ليس ورقة في دراسات ما بعد الاستعمار أو دراسات النظرية السياسية للاستعمار الحديث، وبالتالي فالميثاق غالبا يكون ناقصا بعض التفاصيل وكثير من التوضيحات في محتواه في هذا المضمار. لكن، بصورة عامة، يمكنني أن أقول إني رأيت أملكار كابرال بين ثنايا الميثاق؛ خاصة حديث كابرال عن دور الثقافة في عملية التحرر الوطني وحديثه عن عملية التحرر الوطني كعملية استعادة للتاريخ المحلي برغم تناقضاته من أجل أن تتفاعل وتتطور تلك التناقضات وفق شروطها المحلية وليس وفق هياكل وشروط مصبوبة صبّا عنيفا – استعماريا – على الواقع المحلي.

– أيضا رأيت والتر رودني بين ثنايا الميثاق، خاصة في حديث الميثاق عن أهمية “استعادة السيادة الوطنية بشكل كامل” كـ”أول خطوة في طريق التحول الديمقراطية والتنمية العادلة”…. في ذلك الصدد “قال هُوِي نيوتن، أحد مؤسسي حزب الفهود السود، في أمريكا الستينات والسبعينات، إن “السلطة هي القدرة على تعريف الظواهر، وجعلها تسير بمقتضى ما يُستحَب.” وهذا التعريف ليس فقط تعريفا ممتازا للسلطة عموما، في أي إطار عام يرتاده الناس، إنما هو أيضا تعريف يساعدنا في استبانة أولئك الذين يفهمون السلطة فهما شائها، ثم هم بسبيل ذلك الفهم الشائه إما مارسوها بصورة ناقصة أو سعوا لها بالسبل الناقصة في إطار الدولة. كذلك، فرغم أن والتر رودني، المؤرخ والمفكّر الافروعمومي من غويانا، كان ماركسيّا قُحّا، إلا أنه ومنذ مقدّمة كتابه “كيف قوّضت أوروبا نماء افريقيا”، وبعد بذله تلخيصا ممتازا لمنهج المادية التاريخية باعتباره منهج الكتاب، قال إن مسألة التنمية في افريقيا تدور حول محور السلطة، لا الاقتصاد في معناه المجرّد. رودني توصّل لهذه الخلاصة لأنه قرأ التاريخ جيدا.” [من كتاب “حوكمة التنمية”، الفصل السابع].

والجانب الإيجابي العام، في مجمل الميثاق، أنه وثيقة جيّدة الاستعمال في “فرز الكيمان” و”تمايز الصفوف”، ففيه نقاط أساسية لا تستحمل تفاسير متعددة حول وجهة العمل الثوري والفترة الانتقالية، وبالتالي فهنالك جهات متعددة، تميل لتذويب المواقف وتمويه اللغة وتوسيع القوالب لتشمل الجميع في قاسم مشترك هلامي يقول الكثير من اللا شيء، ستجد صعوبة في الالتفاف حول الميثاق أو دعمه.. هذه محمدة كبيرة، فالتحرّك للأمام يتطلب تمايز الصفوف والتخفف من رفقة أناس يتحركون في اتجاهات متباينة جدا، كما ذكرنا من قبل مرارا.

 

 

أضف تعليق