نقاشات في خضم الثورة

دَوِي السلاح وصخب الساسة: الراهن والثورة في السودان
(22 أبريل 2023، وبعد اندلاع الحرب بين طرفي المجلس العسكري الانتقالي)

(1)
كوامي توري، أحد رموز النضال ضد الامبريالية في افريقيا وضد العنصرية في أمريكا، وأحد رموز الجيل الثاني من الحركة الافروعمومية، قال في بعض كتاباته ومحاضراته، في تسعينات القرن الماضي، إننا أصحاب مواقف ومبادئ، وبالتالي لدينا انحيازات، لكن ذلك لا يعني أن لا نقرأ التاريخ ونستنبط ديناميكاته بموضوعية. مثلا، من المؤكد أن الافروعموميين ضد النازية، قلبا وقالبا، لكن عندما نقرأ التاريخ نفهم أن ظهور هتلر ساهم في إضعاف القوى الاستعمارية الأوروبية عبر الحرب العالمية الثانية، وذلك هيّأ الأوضاع أكثر لحركات التحرر الوطني – في افريقيا وآسيا – كيما تضغط لنيل استقلال بلدانها، بالسياسة أحيانا وبالسلاح أحيانا؛ وبعد الحرب العالمية/الأوروبية الثانية تولّد مناخ عالمي أكثر قدرة على التعامل مع مطالب الاستقلال بانفتاح. وفق ذلك فإن صعود النازية في ألمانيا، وما تلى ذلك من تواصل وتراكم، خدم مآرب لحركات التحرر الوطني ولقضايا استقلال شعوب افريقيا وآسيا، بل وحتى قضايا الأقليات في جهات أخرى في العالم. هذه قراءة موضوعية، ثم من غير المنطقي أن تعني أن علينا أن نشكر هتلر أو ألمانيا النازية، أو نتخندق معها باعتبار “عدو عدوي هو حليفي”، أو نقول إن الجندي الألماني البسيط – الذي لا يُعتَبر مشاركا في مخططات هتلر وبطانته ولكنه ينفذ فحسب – استحق دعمنا المعنوي في حربه ضد فرنسا وبريطانيا لأن هؤلاء استعمرونا وآذونا أذية مباشرة (مع تذكر أن ألمانيا نفسها مارست التسلط والتجبر الاستعماري في مناطق حول العالم، كناميبيا)…. هذا تمييز لا ينبغي أن يفوت على أواسطنا في الوعي السياسي، أو كما قال بعض الكتَاب مؤخرا فإن الحرب بين الأشرار ربما تأتي ببعض النتائج الايجابية (وإن كانت مكلّفة) لغيرهم، لكن ذلك لا يعطي أي طرف في تلك الحرب فضيلةً تجعل أصحاب المبادئ والدوافع المختلفة، اختلافا جذريا، يركنون مواقفهم مؤقتا ويصطفون معه.

(2)
قراءة ما يجري في السودان الآن يحتاج لمقارنات تاريخية واسعة، ويحتاج كذلك للتمييز بين مستويات الباطل، كما جاء في حديث كثيرين، لكن بحذر. عبر النقاش والكتابة، في دوائر محدودة، ساهمنا كغيرنا في تناول المسائل المتعلقة بهذه الأحداث والتراكمات، واسترجعنا كغيرنا كتابات مستمرة منذ سنوات تتناول هذا الوضع وتعقيداته وسيناريوهاته المحتملة (مثل مقالة نشرناها في أواخر أغسطس 2019 تحدثنا فيها عن التناقضات الموروثة في بنية طرفي المجلس العسكري الانتقالي والتي قد تؤدي لانفجار داخلي في المكوّن العسكري نفسه). في تلك القراءة، هنالك عملية مستمرة من النظر الموضوعي للواقع والتاريخ، بأدوات فهم وتحليل وتركيب، تتضافر مع عملية من الاستثمار في أجندتنا في ذلك الواقع والتاريخ، فمن كانت أجندته ضيقة المصالح فذلك قد يظهر (ولو بعد حين) في خلاصاته ومواقفه، ومن كانت أجندته مرتبطة أو تحاول التماهي مع مصالح الشعوب وطموحاتها فذلك قد يظهر كذلك في خلاصاته ومواقفه؛ وبينما لا يكون الواقع الآني حَكَما مميّزا جيدا، فإن التاريخ حَكَمٌ أفضل وأوسع استقصاء.

النظرة الأوسع، والمنظور الديلكتيكي، لمثل هذه التراكمات التاريخية، فيهما متسع لما هو أعمق وأجدى من اختيار أحد خيارين لا ثالث لهما، أو توفير مظلة أخلاقية مفقودة لأي من المعسكرين. وفي تلك النظرة فرصة للاستثمار في ما هو أكثر بقاء واستدامة من نتائج صراعات مصالح ليس في أيهّا خير كبير يرجى قريبا، سوى ربما خير أن يُضعِف كلا الطرفين الآخر بتلك الصراعات، وأن يفتح ذلك الفرصة لاحتمالات أفضل وأعلى مشروعية.

(3)
مع كل قتامة الحاضر، ومرارة تراكمات الماضي، فإن سيناريوهات الخير المستقبلي للشعب تبقى قائمة، وتبقى مُلهِمة للاستمرار في العمل ونبذ اليأس. ما ينبغي أن يشغلنا الآن، كأولوية، هو (١) موقف السند الإنساني والتضامن العملي مع شعبنا المتضرر من سخائم الطرفين المتحاربين، و(٢) الاستمرار في جهود تقوية واستحصاد الثورة الشعبية، فكرا وتنظيما. الانشغال الأول فرضته تراكمات الواقع والتاريخ، والانشغال الثاني هو الخط الثوري الأصيل، الذي تلاطمته أمواج كثيرة في مسيرته، لكنه بقي صابرا، متناميا، متعلّما من الدروس ومتسلحا بالشكيمة.

(4)
في ظل أوضاع كهذه، يتكرر الحديث عن بعض البديهيات وكأنها خلاصات قوية وغائبة عن نظر الآخرين، مثل مقولة إنه كيما تكون لدينا دولة ديمقراطية لا بد أن تكون لدينا دولة في الأساس. هذه المقولة صحيحة بداهة (فما دمنا نتحدث عن ممارسة الديمقراطية في إطار/سياق الدولة العصرية فلا بد أن تكون لدينا دولة عصرية، مثلما أنك بحاجة لـ”زير” كشرط لأن يكون عندك “موية زير”) – مع العلم أن الديمقراطية عموما لا تشترط وجود الدولة حتما، إذ يمكن ممارستها على عدة مستويات وفي عدة سياقات وليس فقط في إطار الدولة – بيد أن هذه المقولة البديهية تُستَعمل كسهم منطقي يشير إلى صحة الحجة التي تقول إن الصراع القائم حاليا إنما هو بين طرفين أحدهما يمثل الدولة والثاني يمثل اللادولة أو الفوضى، وبالتالي فإن “الاصطفاف” وراء الطرف الذي يمثّل الدولة هو الموقف السليم (وبعضهم يقول إنه الموقف الوحيد “الوطني”، كمزايدة فوق ركام المزايدات).

عموما، سواءٌ أكُنّا من المعجبين بنموذج الدولة العصرية أم لا، فهو معطى من معطيات الواقع التاريخي، بمعنى أن أي مجتمع معاصر بحاجة لنظام دولة عصرية كيما يستفيد من ميزات العصر الحالي في الكوكب ويتقيّد بشروطه؛ وكما قلنا من قبل فحتى لو كانت لدينا مشاكل مع نموذج الدولة العصرية ونريد تجاوزه، فإن تجاوزه يمر بدرب استعماله جيدا حتى يستنفد غرضه، فهنالك شروط بنية تحتية وفوقية في المجتمعات الحديثة نحتاج لنموذج الدولة العصرية لتحقيقها، حتى تصبح مجتمعاتنا مؤهلة لمناقشة وتجريب نماذج أخرى (أحدث ربما، أو أفضل) من التنظيم الاجتماعي الحديث. لذلك فالدولة العصرية مهمة، ووضع اللادولة، أو تفكك الدولة، لا يخدم أهداف التنمية والتحرر والاستقرار لشعوبنا.

لكن السودان ليس مهددا بمرحلة تفكك الدولة، إلا ربما مجازا أو إمعانا، لأنه فعليا وصل تلك المرحلة مسبقا، والتحدي القائم الآن هو كيفية إعادة بناء الدولة وليس الحفاظ على الحد الأدنى منها، فنحن أصبحنا دون ذلك الحد الأدنى منذ فترة. في كتاب “ممكنات السودان” (2021، جوبا) تناولنا جانبا من شروط الدولة العصرية وكيف أن السودان حاليا لا يستوفي الحد الأدنى منها، ما يجعلنا نواجه الواقع بأن نقول إننا في مرحلة ما تحت الصفر من حيث مقاييس الدولة الكفؤة. ومن مشاكل إعادة بناء الدولة هو أن هنالك، ما تزال، بقايا مظاهر دولة، تجعل البعض يظن أن هنالك دولة، ومن ثم يتحدث عن “إصلاح” تلك المؤسسة أو تلك القوانين، من إجل إنقاذ الدولة، بينما الواقع يقول إننا تجاوزنا فرصة “الإصلاح” تلك وحاليا علينا التفكير في المراجعات الشاملة، في إعادة الهيكلة، في إعادة التعريف، وذلك يختلف عن مجرد الإصلاح، أو بعض التغييرات على مستويات الشكليات والمناصب القيادية والقواعد الإدارية.

لذلك، فإن ما يسمى بقوات الدعم السريع، أو مليشيا الدعم السريع، ليست تهددنا بأن تكون سببا في تفكك الدولة، إنما هي في الواقع نتيجة لتفكك الدولة، ومؤشر من مؤشرات فشل وغباء السلطات المتعاقبة على السودان، وشتان بين السبب والنتيجة.

(5)
من البراهين الواضحة على أن وجود الدعم السريع إنما هو نتيجة لتفكك الدولة السودانية وفشل سلطاتها، ومن المفارقات المحزنة في واقع الدولة-اللادولة السودانية، أن هذه القوات أو المليشيا، رغم وجودها المؤذي وغير المنطقي في الحاضر السوداني، إلا أنها ذات وجود قانوني وتُعتَبر قانونيا من مؤسسات الدولة ذات الاختصاص. الوصف الأقرب للدقة، بخصوص الدعم السريع، وفق تاريخه ونشأته، هو أنه (Paramilitary group) أو مجموعة موازية للجيش. وهو مجموعة موازية بصورة قانونية، ذلك لأنه تم إنشاؤه بواسطة سلطة دولة وتم تقنينه بموجب قانون دولة (أي قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017)، وتلقى في البداية تدريبا مباشرا من الجيش، ودعما مباشرا من سلطة الدولة، وضوءا أخضر ليحارب نيابة عن الجيش – أو بالأصح كوحدة من وحداته ذات استقلالية – في مواقع مختارة، وجُعِلت موارد تحت إمرة قيادته بموافقة الدولة (أي بموافقة سلطة الدولة) وعدم ممانعة لكي يمارس تعاقدات مع جهات خارجية.

[والجماعات الموازية للجيش تتضمن كذلك الجماعات المرتزقة، ومنها التي تمارس الارتزاق بصورة رسمية (مثل شركة بلاكْووتر الشهيرة)، ومن الجماعات الموازية للجيش كذلك التي تمارس الاقتتال المسلح خارج القوانين الرسمية ولكن وفق قضايا سياسية-اجتماعية مشروعة، كحركات المقاومة المسلحة ضد الأنظمة الغاشمة. لذلك فوصف “الجماعات الموازية للجيش” ليس بالدقة الكافية، لكنه يساعد في فهم حالة الدعم السريع.]

هذا من ناحية، وأما من حيث المجادلة بأنه فاقد المشروعية بسبب تاريخه الدموي ضد المواطنين، فذلك صحيح، لكن المشكلة أنه فيما يتعلق بالتاريخ الدموي وقهر الناس العزّل وتجاوز قواعد الحرب المتفق عليها، فالجيش السوداني له السبق في كل هذا، بل ربما تاريخ الجيش السوداني – كمؤسسة وطنية بالاسم فقط وتحتاج لمراجعة شاملة كيما تستحق هذا الوصف يوما ما – فيه إجمالا من رصيد الولوغ في دماء السودانيين وخرق القواعد الدولية والمحاذير الإنسانية ما هو أكبر من رصيد الدعم السريع. وفي الفترة منذ 2019 وقبل بضعة أيام، تضخم الدعم السريع كمَا ومقدارا، فتضاعف عدد المنتسبين له، وزادت قواعده في شتى أنحاء البلاد، وزادت ترسانته ومبانيه وأعماله وتدخلاته في شتى شؤون البلاد، وكل ذلك تحت مرأى ومسمع قيادة القوات المسلحة والحكومة الانتقالية، بل بمباركة واضحة منهما، (مع سماعنا لبعض التذمر وسط ضباط وجنود الجيش لكن لا نرى له أثرا على الواقع وإنما فقط نرى جبروتهم الموجّه نحو الجماهير عندما يأمرهم قادتهم بذلك)؛ فأين كان الانتباه لخطورة هذا الجسم الغريب ونموّه غير المفهوم طيلة هذه الفترة؟

الإجابة الشافية على هذا السؤال لن نجدها عند قيادة القوات المسلحة، ولن نجدها عند الجهات السياسية التي شاركت في السلطة الانتقالية، وبالتأكيد لن نجدها عند الساسة الذين توددوا للدعم السريع بذريعة البراغماتية السياسية، إنما سنجدها عند عناصر الثورة ذات الأصالة، وهم الذين رفعوا مسبقا شعار ومبدأ “الجنجويد ينحل” (كما رفعوا شعار ومبدأ “العسكر للثكنات”). وجود ما يسمى بالدعم السريع وجود غير منطقي وغير مستدام، ذلك لأنه قوة مسلحة أسِّست على الباطل، وعلى ما هو ضد قوام الدولة العصرية ومرجعية المواطنة. هذه هي المشكلة التي تقضي بأهمية زوال الدعم السريع. لكن لا يغيّر ذلك من حقيقة أن هذه القوة صنعة الدولة-اللادولة السودانية نفسها ونتيجة من نتائج فسادها وتفككها، أي نتيجة أخطاء وغفلة السلطات الغاشمة وضيقة الأفق التي حكمت السودان طيلة السنوات الماضية (ولا ننسى أن تسليح الجماعات الموازية للجيش ومنحها تصريحا لممارسة القتل والحرب داخل الدولة، لم تبدأه حكومة الكيزان الاولى، بل بدأ قبل ذلك، كما وثّق لذلك منصور خالد في كتابه “السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام”،2003 ).

(6)
لا ينبغي أن نكون بحاجة للمجادلة بخصوص البديهة التي تقول إن مؤسسة القوات المسلحة جزء من تكوين الدولة العصرية (مع التفاوت في هياكلها وأحجامها ومدى اختصاصاتها، ومع إمكانيات تطويرها وتغيير جوانب فيها)، بينما ليست هنالك دولة كفؤة تحتاج لقوات موازية (خاصة لو حاولت الاستقلال عن سلطة الدولة). وفي حالة السودان، لا نحتاج أن نؤكد أن السودان لا يمكن أن يتقدم باصطحاب ما يسمى بالدعم السريع، وهذا أمرٌ متفق عليه بصورة واسعة وسط المهتمين بدراسة الشأن السوداني واستشراف مستقبل هذه البلاد؛ إنما نحتاج لأن نسأل أسئلة صعبة ومهمة: كيف نثق بالجهات التي شرعنت لوجود الدعم السريع، ولتضخمه، ولممارساته ضد المواطنين السودانيين وضد الأمن الوطني، في شتى أرجاء السودان، وصمتت طيلة هذه الفترة عن التهديد الخطير الذي يمثله، ثم فجأة صارت تقول ما قاله أهل الثورة مبكرا ولقوا جراءه القمع والقهر والإزاحة، وصارت تبدي العداوة تجاه نفس حليفها السابق فقط عندما ظهر تضارب المصالح السلطوية وليس التضارب مع مصلحة الشعب؟

نفس العقلية التي أنجبت الدعم السريع وجعلته يتوسع بهذه الطريقة، كيف لنا أن نظن، ببساطة، أنها ستحل (وتحسم) هذه المشكلة فقط لأن مصالح الجنرالات ومصالح قيادة الجنجويد أصبحت الان مصطدمة تماما، بينما لم تتغيّر أي عوامل أخرى كعقلياتهم وطموحاتهم وضمائرهم؟

مثل هذا السؤال يقودنا للحديث عن قلة الوعي التاريخي، وضعف الحدس الثوري، في محاولات نسيان أو تقليل خطورة أحد طرفي الصراع المسلح الجاري الآن ومحاولة التركيز على شيطنة الآخر فحسب (وكثير من صنّاع الرأي في السودان حاليا متورطين في هذا)، وكأن الفرق بينهما شاسع، بينما هو في الواقع فرق ضئيل جدا، خاصة في مستوى الأثر على حيوات المواطنين، ومستوى استسهال واسترخاص حقوق وحيوات الناس، الأمر الذي لم يظهر في الحرب الدموية التي طرأت مؤخرا فحسب وإنما عبر سنوات من قصف القرى في دارفور وترويع وامتهان الناس فيها وفي مناطق أخرى وعبر أربع سنوات من قتل وجرح المتظاهرين السلميين في مدن السودان بدون أي محاسبة. ومن ضعف الخيال الثوري أن يختار الناس بين اثنين من أهل المصالح المغايرة تماما لمصالحهم، فقط لظنهم أن أحد الطرفين أخف قسوة ودمارا من الآخر، وأن هنالك فرصة ما لأن يعود أحد أولئك الطرفين فجأة إلى رشده ويقدّم مصلحة البلد. ذلك بينما كل الأمواج الجدلية في هذا الشأن تنكسر عند صخرة الواقع الذي يقول، على لسان الكاتب الافروامريكي جيمس بولدون: “لا يمكنني تصديق ما تقوله، لأني أرى ما تفعله.”
I can’t believe what you say, because I see what you do

لا نحتاج في مثل هذه الأوقات للتذكير بأنه، في بعض الحالات التاريخية الاستثنائية، يضطر بعضنا لاختيار أخف الضررين، لغياب أي خيارات أخرى متوفرة. هذه ليست إحدى تلك الحالات الاستثنائية، لأن لدينا في هذا السياق، وهذا الزمان، قوى ثورية محلية كبيرة، تعمل وتستحصد منذ سنوات، وتنمو في وعيها وتنظيمها منذ سنوات، عبر مخاض عسير من الامتحانات الصعبة وإبراز الصمامة النادرة. هذا خيارٌ ثالث متوفر، على الأقل، لا يخيب من ينصره ولا يسعد من يخذله.

(7)
أما بالنسبة لموازين القوى، وما يمكن أن تُنبئنا بخصوص مآلات الحرب الجارية، فكون الجيش أكبر قوة عسكرية من “الدعامة” ربما يعطي سيناريو انتصار الجيش نسبة أعلى من غيرها، لكن لا يفيدنا بالضرورة بأن المعركة ستُحسم تماما لصالح الجيش، أي أن الأوضاع الأمنية والسياسية ستعود إلى سلطة موحدة ومستقرة (حتى لو كانت غير ديمقراطية أو حتى مشروعة). ذلك لأنه في حرب المدن وحرب العصابات، فإن القوة العسكرية الأصغر يمكنها استنزاف القوة الأكبر وتمديد فترة الحرب وزيادة الخسائر العامة، وإحداث الكثير من الزعازع، بدون أن تحصل غلبة مباشرة، الى ان يقود الأمر للمفاوضات أو تغيّرات في خارطة الانحيازات والتدخلات (محليا وعالميا) وأشياء كذلك. هذا سيناريو وارد على أي حال، إلا لو أثبت الجيش أن لديه خبرة كافية تجعله ينهي الحرب قبل حدوث كل ذلك (فهذا الجيش على أي حال لم يستطع حسم حربه مع حركات مسلحة أخرى أقل حجما وعتادا من الدعم السريع، وعلى مدى سنوات، بل إن فشله ذلك كان أحد مبررات إنشاء الدعم السريع؛ ذلك رغم أن تلك الحركات تختلف هيكليا وتاريخيا من الدعم السريع، وهذا شأن آخر). لنتذكر أن التاريخ الحديث يرينا كيف قامت حركات مسلحة أصغر بغلبة جيوش نظامية أكبر وفق قواعد حرب العصابات، كما قامت بالضغط على الجيوش النظامية حتى ساقتها للمفاوضات (مثل ما قامت به الحركة الشعبية في اتفاق السلام الشامل). لكن، ربما يكون هنالك دور لعامل مهم، وهو أن قوات الدعم السريع لا تنافح من أجل قضية سياسية-تاريخية تعطيها دفعا ذاتيا وأسباب نضال متجاوزة للمصالح الضيقة (لكن ذلك لا يدعونا للاستهانة بقدرتها على خلق حالة واسعة من الارتباك والضرر في البلاد، فحتى لو تم التخلص من الجسم المسمى الدعم السريع فإن الكثير من سلاحه ومسلّحيه سيبقون لأمد غير قصير ليحدثوا مشاكل غير قليلة). عموما يمكن كذلك قراءة ما كتبه ماوتسي تونغ وتشي قيفارا حول حرب العصابات (Guerrilla warfare) وهما خبراء فيها، ونجحا قبل ذلك في هزيمة جيوش نظامية، (كما حصل ذلك بجوارنا في إثيوبيا ويوغندا أيضا).

لذلك فسيناريو أن تتمدد آثار هذه الحرب في الزمان والجغرافيا لتحيل معظم أرجاء البلاد إلى مناطق كوارث ورعب – أي إلى الوضع الذي عانت منه بعض جهات السودان لسنوات، بل لعقود، بينما الجهات الأخرى كانت غافلة عن هذا الواقع بحيث لم تستطع شعوبها تخيّله بما يكفي من سعة الخيال – ليس سيناريو مستبعدا، للأسف (رغم أنه ليس حتميا). وحتى لو استطاع الجيش أن يحسم خصمه حسما تاما، فلنا أن نتخيّل ماذا يعني ذلك لقوى الثورة وممثليها في الشعب بعض أن تخلو الأجواء لقيادة القوات المسلحة الذين نعرفهم جيدا وبعد أن ينتشوا بنصرٍ عسكري جبار كهذا…. في مجمل الأحوال، من السذاجة توقّع أن آثار هذه الحرب لن تبقى معنا لعدة سنوات على الأقل.

على المستوى العام، يتمنى المرء أن يقول إنه يثق في القوات المسلحة التي تنتمي لدولته، ويقول إنه يتعاطف مع جميع الجنود الذين يخوضون غمار الحرب باسم حماية بقية الشعب (فهم أيضا، أي الجنود، جزء من الشعب)؛ هذا ما يتمناه المرء. لكن مع تعاقب وتراكم ميراث الشعب السوداني المرير مع المؤسسة العسكرية عبر العصور، فإن هذه للأسف رفاهية لا نملكها حاليا. كثيرا مثلا ما نسمع عن وجود “شرفاء الجيش”، من الضباط وضباط الصف، الذين تتناقل الأخبار عن أنهم غير مسؤولين عن قرارات وأفعال قيادات الجيش من كبار الضباط، وأنهم سينقذوننا يوما ما من قبضة هؤلاء، وبدون أن نجادل في وجود هؤلاء الشرفاء وفي مدى شرفهم فعلى العموم نحن لم نستفد منهم شيئا حتى الآن وعلى مدى سنوات بل عقود من تحكم المتسلطين القساة بالقوات النظامية للدولة، فوجودهم ما زال افتراضيا فحسب، بل كل ما جرّبناه في الواقع هو أن جملة الجنود والضباط ينفذون أوامر قياداتهم ويوجهون بنادقهم نحو صدور الجماهير في شتى أنحاء البلاد ثم نسمع بأن لا حيلة لهم. هذا حديث لا قيمة له، فإن كانوا غير قادرين على البروز فعلا ولجم مؤسستهم عن البطش بالأبرياء، وعلى جعل مؤسستهم وطنية وشريفة بما يكفي، فلا يستحقون من الشعب أي تذكّر أو عذر، بل الأصح أنهم إما تحملوا المسؤولية مع قادتهم أو تبرأوا من الانتساب لتلك المؤسسة. أما إن ظهروا فعلا، وأثبتوا وجودهم وصدقهم بالفعل لا بالقول، فلكل حادث حديث. (وهنالك كتابات سابقة، سودانية وغير سودانية، حول أهمية المراجعة الهيكلية لقواعد الطاعة ومشاركة المسؤولية عن تنفيذ القرارات في القوات المسلحة، فهذه إحدى الجوانب ذات الإشكال العميق في بنيان الجيوش الحديثة).

(8)
مع كل ذلك، نكرر: ما ينبغي أن يشغلنا الآن، كأولوية، هو (١) موقف السند الإنساني والتضامن العملي مع شعبنا المتضرر من سخائم الطرفين المتحاربين، و(٢) الاستمرار في جهود تقوية واستحصاد الثورة الشعبية، فكرا وتنظيما. الانشغال الأول فرضته تراكمات الواقع والتاريخ، والانشغال الثاني هو الخط الثوري الأصيل، الذي تلاطمته أمواج كثيرة في مسيرته، لكنه بقي صابرا، متناميا، متعلّما من الدروس ومتسلحا بالشكيمة.

عملية إعادة بناء الدولة جزء من مشروع استرداد وتغليب كرامة الإنسان في السودان، وهذا المشروع يتضمن أيضا التنمية، والتحرر، والتحول الاجتماعي نحو العدالة ونحو تفجير طاقات الابتكار والحضارة والجمال، والتضامن الإنساني الواسع. هذا مشروع فيه جوانب فكرية، فنية، علمية، كبيرة، وفيه جوانب شعورية عميقة ونبيلة، وفيه حاجة لتخطيط وتنفيذ كبير ودؤوب ومتفاني. مثل هذا المشروع لا يقوم به الذين يتبدلون مع التبدلات السريعة للمصالح والمخاطر، كما لا ينبغي أن يعتمد في مجمله على كوادر ضعيفة الخيال، مستعجلة للنتائج، أو سريعة التخندق والاختزال للأوضاع في حالات الكوارث. هذا مشروع يحتاج لعقول غير متهافتة، ولسواعد مستقلة…. وللحديث شجون.

 


عن العصيان المدني
(مقال مستعاد من 4 يونيو 2019 – وما أشبه الليلة بالبارحة)

يُعَرّف العصيان المدني عموما بأنه رفض الامتثال لقوانين وسلطة رسمية بناء على أرضية أخلاقية وسياسية تُعتَبر أكبر وأولى من طاعة القانون والسلطة الرسمية، مهما كلّفت النتائج. ولذلك فالعصيان المدني لا يكون عادة نتيجة اختلاف في سياسات ما مع السلطة، في بيئة سياسية معقولة جملةً، إنما نتيجة اختلاف على مستويات أكثر جذرية.

والعصيان المدني الشامل يتضمن الإضرابات العامة، السياسية، واسعة النطاق، ويوجّهها، ضمن ما يوجّه من أنشطة أخرى كثيرة، تتضمن المواكب الاحتجاجية، والاعتصامات، واحتلال الميادين والمرافق العامة، وعموم الأنشطة والترتيبات التي تؤدي إلى عجز السلطات الرسمية على إدارة دولاب الدولة لفقدانها الموارد الشرعية وغياب الاعتراف والامتثال عند الأغلبية الغالبة من المواطنين.

أنشطة العصيان المدني تخلق فراغا في سلطة قانون الدولة ومتنفّذيها، وتستبدله بسلطة أو سلطات أخرى بديلة، ذات شرعية مدنية وأخلاقية وإن لم تكن رسمية؛ وبخلقها لذلك الفراغ من جهة، وخلقها لسلطة بديلة من جهة أخرى، تُحدِث حزمة أنشطة العصيان المدني تغيّرا كبيرا في سير الحياة العامة في الدولة، وتعيد توزيع مراكز القوى، بحيث يظهر عجز السلطات الرسمية التي تجد نفسها متنفّذة بدون منافذ، مثل البندقية بدون ذخيرة أو القطار بدون طاقم تشغيل ووقود.

مثلا، شاهدنا في يومي الإضراب السياسي العام، ٢٨ و٢٩ مايو، كيف أن التوقف النسبي لحركة المصارف، وحركة النقل العام (أرضا وجوّا)، وتلويحات انقطاع الكهرباء عن مناطق حيوية (فما بالك ببقية قائمة الخدمات العامة) أثارت جزع العساكر والجنجويد وممالئيهم، لأنه ذلك يعطّل دولاب الدولة كثيرا فيفقدون معها قسطا كبيرا من قوّتهم المستمدة أصلا من دولاب الدولة ومواردها والغطاء الشرعي الذي بدونه لا يمثّلون شيئا.

وحين يقوم العصيان المدني الشامل، كما ذكرنا، بخلق سلطة مدنية موازية لسلطة الدولة وتأخذ مشروعيتها، كما ذكرنا، بالتفاف الأغلبية حولها، وقدرتها على تسيير الأحداث وتنسيق جهود المواطنين، داخليا وخارجيا، بصورة أكثر فاعلية من السلطات الرسمية، يتضح أكثر، داخليا وخارجيا، أن الشعب هو الذي يعطي السلطة وهو الذي ينزعها في الواقع.

وبهذه الطريقة، يقود العصيان المدني عموما إلى سوق الأوضاع في الدولة للحظة ذروة، أو لحظات ذروة، تتيح لقوى الشعب أن تستغلها لسحب السلطة الرسمية من الأقلية المرفوضة. سيناريوهات لحظات الذروة هذه كثيرة، وإن كنّا لا نستطيع التنبؤ بكل تفاصيلها استباقا إلا أننا نعرف أن العصيان المدني هو الذي يسبقها ويقود لها.

ومن باب الشفافية مع الشعب، فيما بيننا، نقر أن نتائج العصيان المدني ليست معروفة أو مضمونة مسبقا، لكن ما يمكن تأكيده أن العصيان هو المسار الوحيد السليم حاليا في سيرة الثورة الشعبية السودانية. وكما لم نكن متأكدين مسبقا من نتائج اعتصام القيادة العامة إلا أنه كان تكملة التراكم الثوري الذي أدّى لسقوط البشير؛ وكما لم نكن متأكدين من نتائج يومَي الإضراب السياسي إلا أنه أثار جزعا واضحا لدى المجلس الانقلابي وممالئيه.

ما دامت هذه ثورة شعبية سلمية مدنية، فالعصيان المدني الشامل هو معقل ترسانتها الكبرى، وهو كذلك، غالبا، خط دفاعها الأخير.


(31 ديسمبر 2021، مساهمة عبر الوسائط)
 
شعوب السودان لن تحكمها بعد اليوم طغمة ليست لديها رؤية وآليات حقيقية (لا مجرد أماني وتلويحات) لإدارة الدولة ومعالجة مشاكلها، وقادرة على بناء سند جماهيري شرعي وفق تلك الرؤية. لن تحكمها أي لن يستقر لها الحكم، ولن تستتب لها الأمور، مهما فعلت ومهما قالت ومهما أنفقت من طاقة وزمن ومهما حشدت من ترسانة وأعوان خارجيين.
 
من يشاهد تطور مستوى التناول السياسي والاجتماعي بين عموم أهل السودان، وعمق مستوى التفكير السياسي والاجتماعي وسط نسبة مقدّرة من جيل الحراك الثوري (أي أصحاب النسبة الغالبة من أهل الحراك وأصحاب الوجعة، وهم تقريبا بين العشرينات والثلاثينات من العمر)، ومن يحالفه التوفيق في التواصل والانخراط مع الكثير من لجان المقاومة على مستوى العمل الجاري عندها في ملء فراغات التفكير والتنظيم (وهو مستوى عمل يستحق توثيقا خاصا به)، لن يبتعد من خلاصة أن هنالك فهما، محلي الملامح عالمي المواكبة، توطّن ويتوطّن في هذه البلاد من بركات الحراك الثوري، وهو لم يبدأ من ديسمبر 2018 (بل ديسمبر كان أحد تجلياته) إنما يمكن تتبع تخلقاته منذ سبتمبر 2013 وما تبعها من هضم للدروس الصعبة. وهذا لا يعني أنه لم يكن هنالك فهم كهذا قبل التواريخ المذكورة آنفا، لكنه لم يكن متوطنا مثلما هو اليوم. كان متفرقا على مجموعات محدودة الحجم والأثر، وهو الآن أوسع من ذلك بكثير.
 
يضاف لذلك، أننا شهدنا في السنوات الأخيرة أفقا جديدا في البسالة والتضحية، من أجل غايات كبرى (التحرر والتنمية)، وأقول التضحية لا الضحايا، رغم أنه صحيح أن وتيرة الضحايا زادت، وما نقص وقع الألم، لكن كلما استعمل الطاغوت أدوات العنف المفرط ليقهر الجماهير كلما قلّ مفعوله الذي كان يتمناه، فمع المزيد من الضحايا زادت جسارة الجموع، واختزنت شجاعة جماعية، ووعيا جماعيا، وانتظاما جماعيا.
 
هذا تعميد بالنار (baptism by fire) وابتلاءٌ مثل صهر الفولاذ لتشكيله وصقله، مر ويمرّ به الشعب السوداني، كيما يتأهّل لموقعه كعملاق آخر ينهض في تاريخ البشر. والعملاق حين ينهض لا يحكمه الصغار، الذين يتمنون ويحلمون ولا يفكّرون ويدرسون، والذين يقدّمون أنانياتهم الصغرى على الأنانية العليا (حيث تتلاقى مصلحة الجماعة ومصالح أفرادها، وحيث يؤخر الفرد نفسه ويقدّم الآخرين في الشأن العام).
 
في مثل هذا الخضم، وهذه اللحظات التاريخية المصيرية، يتوحد صوت الحكمة وصوت الثورة، فمن ينادي بالحكمة كنقيض للثورة فارق الحكمة وإن ادّعاها، ومن ينادي بالثورة حماسا بدون فكر لا يستره حماسه عن فراغ فكره. الحكمة الآن تقتضي الثورة وإن بدت متطرفة، فهو تطرف ضروري لإعادة وزن الأمور. كان الأستاذ محمود محمد طه يقول، في هذا السياق، إن الورقة إذا كانت مطوية في اتجاه ما، وأردت أن تعيدها مستوية، عليك أن تطويها في الاتجاه الآخر، مكان الطيّة القديمة، لبعض الوقت.
 
وكما قال الشاعر:
كلمةٌ لابد أن تقال،
في بركة الركود هذه
لا غير هزةٍ عنيفةٍ تخلخل الجبال،
تحرر الأثقال.
في كومة الركام هذه
لابدّ من زلزال….
 

فترة انتقالية ثورية أم فترة انتقالية ساي؟
(3 نوفمبر 2021، مساهمة عبر الوسائط)
 
هنالك حجّة يعاد تكرارها وتدويرها، وهي أن المخرج السليم في الفترة الانتقالية هو تكوين اكبر جبهة عريضة من القوى المدنية السياسية والاجتماعية، أي أن الحاضنة المسماة قوى الحرية والتغيير أخطأت الخطأ الأساسي في أنها “لم تشرك” القوى السياسية الأخرى خارجها في السلطة وهياكلها في المرحلة الانتقالية، وأنها لو فعلت ذلك لكانت تمكّنت من تكوين حكومة ذات دعم وطني واسع وتكوين مجلس تشريعي من اختيار المدنيين 100٪؜.
 
رأينا الذي ليس بجديد هو أن هذه الحجة مغلوطة بشكل كبير، وفيها تغييب للمشكلة الأساسية. المجلس العسكري من البداية كان وجوده في الاتفاقية المشؤومة مصدر غلغلة، بل منذ إنشاء المجلس العسكري، كما حصل في الثورات السابقة، بدأت عملية سرقة الثورة أو انحرافها. تشكيلة المجلس التشريعي منذ ذلك الوقت ما كان من الممكن أن تكون 100% اختيار القوى المدنية.
 
إذا نظرنا حول العالم، ولقينا نموذج لفترة انتقالية جاءت بعد ثورة شعبية، في أي بلد في العالم، ثم تمّت مشاركة السلطة الانتقالية مع “أكبر جبهة عريضة من القوى السياسية والاجتماعية” ونجحت تلك الفترة الانتقالية في تحقيق أهدافها، حينها علينا النظر في تلك التجربة. لأنه إذا كانت كمية التناقضات الفكرية والمصلحية داخل قحت كافية لوحدها لأن تجعل الحكومة الانتقالية لا تعرف الاتفاق على أي شيء مفيد وعملي كحاضنة للحكومة الانتقالية، كيف يكون حل المشكلة بإضافة المزيد من التناقضات للسلطة الانتقالية؟ (مع العلم أن قحت فعليا كانت أوسع جبهة سياسية حكمت السودان في فترة انتقالية قبل كده). في واقع الأمر، إحدى المشاكل الأساسية في هذه الفترة الانتقالية هي تقديم المشاركة السياسية السلطوية البحتة على البرنامج السياسي الانتقالي الواضح.
 
من مهام الفترة الانتقالية توسعة المشاركة في الحراك السياسي العام: السماح بحقوق التنظيم والتعبير والتجهيز للانتخابات، وحريات العمل العام والعمل الإعلامي والترويجي المؤثر في الرأي العام. هذه حقوق وحريات سياسية يجب أن تكون مكفولة لجميع المكونات السياسية في المرحلة الانتقالية، ومن واجبات السلطة الانتقالية ضمان ذلك الفضاء وحمايته. ليس من أهداف الفترة الانتقالية أن تكون جميع المكوّنات السياسية (أو أوسع طيف ممكن) في سدة الحكم. عمليا هذا غير ممكن، وإذا حصل فيكون مثارا للتناقض غير المنتج وغياب القدرة على الاتفاق الكافي للقرار والعمل، لأنه بهذه الطريقة تكون أجهزة الحكم ودوائر القرار ميدانا لانفجار التناقضات وليس للتنسيق والقرار والتنفيذ. المعروف عمليا ومنطقيا في الثورات ان هنالك قوى تنتخبها ديناميكيات الثورة لتدير مسار الفترة الانتقالية بالشرعية الثورية. في مثل هذه الحالة فالأولى بالمكوّنات السياسية الأخرى ليس أن تطالب بالمشاركة في السلطة وإنما أن تطالب السلطة الانتقالية بضمان توسعة القدرة على الحركة في الفضاء العام والتجهيز العادل للانتخابات (التنفيذية والتشريعية)، بالإضافة طبعا للمشاركة بالصوت والرأي في ترتيبات صناعة الدستور وفي الإدلاء في القضايا الدستورية الأساسية…. وللحديث شجون.

(4 نوفمبر 2021، مساهمة عبر الوسائط)
 
رأينا في أن المؤسسة العسكرية، في مجمل بلدان ما بعد الاستعمار، بحاجة لإعادة نظر/هيكلة شاملة، حتى تنتقل من مؤسسة تشكل عقبة أمام بناء الدولة إلى مؤسسة تلعب دورها في بناء الدولة وحماية الناس والأرض وفق المهام الموكلة لها بسلطة الشعب، رأي قديم، نشرناه هنا وفي قنوات أخرى من قبل (ولنا رأي آخر وقريب بخصوص البوليس كذلك)، وتطرقنا لتجارب ونماذج ممكنة في هذا الشأن.
 
اليوم، نحاول بذل قواعد تصلح لإعادة تعريف المؤسسة العسكرية (القوات المسلحة):
  1. ميثاق شرف جندي: مثل قَسَم أبقراط لدى الأطباء، يقسم الجندي حامل السلاح أن لا يُستعمل سلاح في وجه مواطنين عُزّل، حتى لو أمِر بذلك من قبل زعيمه العسكري، والمسؤولية عن هذا القَسَم مسؤولية مباشرة لا وكالة فيها (وبذلك ينكسر التقليد العسكري البائس الذي يفرّق المسؤولية الأخلاقية والقانونية للجريمة على مستويات متنوعة وتفاصيل لا تغني من الواقع شيئا).
  2. مادة دستورية تمنع تدخل القوات المسلحة في ترجيح كفة أي صراع سياسي مدني؛ فقط حماية المواطنين والمرافق العامة من أي عدوان مباشر نتيجة صراع سياسي أو طوارئ استثنائية (مع تعريف تلك الطوارئ درءًا للثغرات القانونية)، مع عدم الإخلال بالقاعدة 1.
  3. أي منسوب عسكري للقوات المسلحة (ضابط أو ضابط صف)، إذا حاز على أي منصب دستوري (في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية) يفقد تلقائيا عضويته في القوات المسلحة وصلاحياته عبرها، ولا يمكن استعادة تلك العضوية قبل الخروج من المنصب الدستوري.
  4. تثبيت الحق الدستوري المنصوص للجماهير في المقاومة المفتوحة لأي سلطة تخالف القواعد 1، 2، 3.

(20 نوفمبر 2021، مساهمة عبر الوسائط)

سواء كان الانقلاب يلفظ أنفاسه الأخيرة أم لا، هذا لا يجيب على طموحات الثورة الكبرى: الحرية والسلام والعدالة (والتنمية؟)
 
بصورة عامة، هذا أفشل انقلاب ناجح (يا للمفارقة) في تاريخ السودان، لكنه تقيّح من أزمة أكبر منه، فهو عرَض وليس المرض نفسه، وتلك الأزمة ابتدأت بانحراف الثورة الشعبية إلى مساومات صفوة وإصلاحيين (أي غير ثوريين) ومعهم متسلقين. السيناريو القادم لما بعد سقوط تركيبة السلطة الحالية سيناريو يجب ان تكتبه قوى الثورة، أو ستكتبه قوى وعوامل أخرى، جميعها غير ثورية. إذن فكون هذا الانقلاب سيستمر ليومين او اسبوعين او شهرين او سنتين، ليس هو الشاغل السياسي الصحيح. الشاغل السياسي الصحيح ينطلق من منصة “كيف نحقق أهداف الثورة” لا “كيف نتخلص من الذين انحرفوا بالثورة”، وذلك لأن إجابة السؤال الأسبق تشمل الآخر وزيادة—تشمل البناء بعد الهدم، فالهدم ضروري لكنه لا يكفي.
 
الانتقال من الحشد إلى التنظيم فريضة، والتنظيم تقوم به جماعات تجمعها مصالح واضحة وأفكار/رؤى واضحة، ثم تنتظم الأعمال وفق الهياكل والمهام. لا بد أن نفطن لهذه المسألة كأساس تاريخي ومجرّب للتغيير. وبطبيعة الحال فالجموع التي لها خبرة محلية مع العمل المنظم أكثر قدرة على استنطاق مصالح مشتركة واضحة وعلى تبني أفكار عامة (رؤية) واضحة…. وللحديث شجون

(17 نوفمبر 2019، مساهمة عبر الوسائط)

لست من دعاة العنف كحل لمشاكل العصر الحديث، لأنه لا يحل، وفي أفضل حالاته قد ينجح في استبدال مشكلة بأخرى، أو يقود الأطراف المتنازعة للاقتناع بضرورة تجاوزه بعد تجريبه.

لكني كذلك لا أعيش خارج هذا البُعد الذي نقطنه، وأعلم أن من لا يقدرون على حماية أنفسهم يصبحون عُرضة للانتهاك والمذلة بيسر. الدمج بين مبدئية اللاعنف وبين استعداد القوة المحسوبة ممكن، ومطلوب في هذا العصر.
 
من المقاربات التي أفكّر فيها منذ سنوات (ولست وحدي بطبيعة الحال)، والتي يحيط بها جدل كثير، مقاربة تغيير بنية الجندية في البلد وليس فقط إصلاح البنية السائدة.
 
حتى لا تبتزّها قيادات الجيوش، وقيادات الجماعات المسلحة غير المنضبطة، ولا تستغلّها الأيادي المتحكمة في سبل كسب العيش، ربما ينبغي للشعوب أن تتعلّم وتتقن الدفاع عن النفس، بالسلاح وبالتنظيم الأفقي، وينبغي لها أن تسعى لجعل الجندية بجميع تفريعاتها (جيش وشرطة وحرس حدود وبحرية، إلخ) مهام غير دائمة، أي ليست وظائف وحِرَف لأغلبية شاغليها.* وهذا المسار لا يقود لعسكرة الشعوب بالضرورة، كما يخشى البعض، إنما يمكن أن يقود لجعل المؤسسة العسكرية مؤسسة شعبية بحق، ويحيّد السلاح في فض النزاعات السياسية والاجتماعية بين الجماعات المتباينة في المجتمع الواحد.
 
كثير من مشاكلنا المعاصرة مرتبطة بمؤسسات (institutions) وليس بحالات (cases)، فمن الأجدى التفكير في مقاربات تراجع وتستبدل المؤسسات نفسها. والتفكير بداية لا بد منها لإحداث نقلات نوعية، لا يستنكرها إلا من لا يقرأون التاريخ أو يعتبرون به.
 
– – – – – – – –
*تحدثنا سابقا عن استبدال مؤسسة البوليس (الشرطة) بصورة جذرية. وذلك ينطبق بصورة كبيرة على بقية مسارات الجندية في الدولة العصرية. وهذا ليس طرحا خياليا، بل بعض الدول المعاصرة تطبّقة في مستويات يمكن البدء بها (تفكيرا على الأقل)، مثل تنظيم الجندية في إسرائيل (والتي اضطرت لذلك لقلة تعداد مواطنيها وكونها في حالة حرب مستمرة وحتى لا تتوقف بقية أنشطة الحياة، فتقريبا كل مواطن ومواطنة إسرائيليين – مع بعض الاستثناءات – تجاوزوا السن القانونية جنود في قوات الدفاع الإسرائيلية، إما في الخدمة أو في الجيش الاحتياطي). أيضا هنالك نماذج أخرى متمايزة قليلا، كاليابان وألمانيا. لكن العبرة الأساسية هي إمكانية ابتكار نمط جديد، لم يجرّب من قبل.
 

عن الميثاق الثوري لسلطة الشعب
(6 أبريل 2022، مساهمة عبر الوسائط)

عمل محترم، وغطى مسائل لم يغطّها من قبل ميثاق سياسي سوداني واسع التوافق بهذا المستوى. والشيء المتميّز فيه حقا الطريقة التي تمّ عبرها بناؤه ودمجه وتعديله، إذ “تم بناءه بعصف ذهني جماعي قاعدي وحوارات بأذهان مفتوحة لحوالي 15 ولاية، وناقشته بقية الولايات.” احترام كبير.

مناطق التحفظ على نقاط الميثاق محفوظة، وهي مناطق مهمة في نظرنا (خاصة في الجانب الهيكلي والجانب الحوكمي، مثل التقسيم المختلط والمترهّل حقيقة للوزارات والمفوضيات – أسماء كثيرة وتجميعات غير مبررة – ومثل التفريق بين مهام مترابطة في أصلها كالانتخابات وصناعة الدستور، ومثل نسيان مهام أساسية ومحورية كمفوضية التنمية المستدامة، مع وجود مفوضيات لا داعي لها أو مكررة المهام، ومثل غياب بعض النقاط المهمة المتعلقة بمقاربة العدالة الانتقالية وبالتعامل مع ظاهرة دولة الميليشيات، ذلك الغياب الذي يفتح الباب أمام تكهّنات مقلقة أحيانا، إلخ)، فمجمل هذه المناطق عرضة للمزيد من النقاش والتكميل بالتداول والتجربة.. لكن سأتناول هنا بعض الإيجابيات المهمة:

– محاولة وضع تصوّر مفهوم وملموس لعملية تصعيد السلطة في الدولة من القواعد (المحليات والنقابات – أو مكان السكن ومكان العمل) محاولة مقدّرة، لأنه وفق ذلك يمكن الأخذ والرد بخصوصها، وكذلك فيها تحفيز لمن ينتقدون التصوّر أن يقدموا تصوّرهم البديل، فكذلك نكون انتقلنا من مرحلة التجريد لأولى مراحل التجسيد.

– رغم بعض النقد الذي جاء للميثاق بخصوص لغته المتعلقة بطبيعة الدولة السودانية، إلا أني أرى أن لغته متقدمة عموما وفيها تشريح محترم لتلك المسألة، كما أنه لم ينس تسمية العلاقات الرأسمالية العالمية بالاسم (والرأسمالية علاقات سلطة وثروة بطبيعة الحال) كمصدر من مصادر المشكلة الموروثة من الحكم الاستعماري وطريقة هندسته للدولة واستعماله للموانع الهيكلية (“العرق”، الدين، الثقافة والنوع). إذا أردنا أن “نحكّها” مع الميثاق فسنلبث طويلا، لأنه ليس ورقة في دراسات ما بعد الاستعمار أو دراسات النظرية السياسية للاستعمار الحديث، وبالتالي فالميثاق غالبا يكون ناقصا بعض التفاصيل وكثير من التوضيحات في محتواه في هذا المضمار. لكن، بصورة عامة، يمكنني أن أقول إني رأيت أملكار كابرال بين ثنايا الميثاق؛ خاصة حديث كابرال عن دور الثقافة في عملية التحرر الوطني وحديثه عن عملية التحرر الوطني كعملية استعادة للتاريخ المحلي برغم تناقضاته من أجل أن تتفاعل وتتطور تلك التناقضات وفق شروطها المحلية وليس وفق هياكل وشروط مصبوبة صبّا عنيفا – استعماريا – على الواقع المحلي.

– أيضا رأيت والتر رودني بين ثنايا الميثاق، خاصة في حديث الميثاق عن أهمية “استعادة السيادة الوطنية بشكل كامل” كـ”أول خطوة في طريق التحول الديمقراطية والتنمية العادلة”…. في ذلك الصدد “قال هُوِي نيوتن، أحد مؤسسي حزب الفهود السود، في أمريكا الستينات والسبعينات، إن “السلطة هي القدرة على تعريف الظواهر، وجعلها تسير بمقتضى ما يُستحَب.” وهذا التعريف ليس فقط تعريفا ممتازا للسلطة عموما، في أي إطار عام يرتاده الناس، إنما هو أيضا تعريف يساعدنا في استبانة أولئك الذين يفهمون السلطة فهما شائها، ثم هم بسبيل ذلك الفهم الشائه إما مارسوها بصورة ناقصة أو سعوا لها بالسبل الناقصة في إطار الدولة. كذلك، فرغم أن والتر رودني، المؤرخ والمفكّر الافروعمومي من غويانا، كان ماركسيّا قُحّا، إلا أنه ومنذ مقدّمة كتابه “كيف قوّضت أوروبا نماء افريقيا”، وبعد بذله تلخيصا ممتازا لمنهج المادية التاريخية باعتباره منهج الكتاب، قال إن مسألة التنمية في افريقيا تدور حول محور السلطة، لا الاقتصاد في معناه المجرّد. رودني توصّل لهذه الخلاصة لأنه قرأ التاريخ جيدا.” [من كتاب “حوكمة التنمية”، الفصل السابع].

والجانب الإيجابي العام، في مجمل الميثاق، أنه وثيقة جيّدة الاستعمال في “فرز الكيمان” و”تمايز الصفوف”، ففيه نقاط أساسية لا تستحمل تفاسير متعددة حول وجهة العمل الثوري والفترة الانتقالية، وبالتالي فهنالك جهات متعددة، تميل لتذويب المواقف وتمويه اللغة وتوسيع القوالب لتشمل الجميع في قاسم مشترك هلامي يقول الكثير من اللا شيء، ستجد صعوبة في الالتفاف حول الميثاق أو دعمه.. هذه محمدة كبيرة، فالتحرّك للأمام يتطلب تمايز الصفوف والتخفف من رفقة أناس يتحركون في اتجاهات متباينة جدا، كما ذكرنا من قبل مرارا.

 

 

أضف تعليق