النضالُ الأسود، بين فلسطين وإفريقيا وأمريكا اللاتينية – (بقلم سوزان أبو الهوى*)

(ترجمة: قصي همرور؛ نشرته مجلة البعيد الالكترونية، 2 سبتمبر 2016)

[مذكرة من المترجم: مقال سوزان أدناه يتبنى مصطلحات “النضال الأسود” و”القوة السوداء” وحالة “السواد” عموما وفق اصطلاح الحركة السوداء، وهي حركة ظهرت وتأسست في ستينات وسبعينات القرن المنصرم لتكون هوية شاملة لحركة نضال عامة الشعوب التي تنتمي للإثنيات المقهورة ضد الهيمنة البيضاء، أي ضد هيمنة الجماعات الأوروبية وسلالاتها في عهد الاستعمار وما بعد الاستعمار، في جميع العالم؛ فليس مصطلح الحركة السوداء في أساسه مختص بحركات الشعوب الزنجية فقط – وإن كانوا من ابتدعوه – أي أن التعريف الاصطلاحي غير مرتبط بلون البشرة مباشرة وحصريّا].
———

أحد معالم زيارتي لغزة، ضمن احتفالية فلسطين للأدب[1]، كان انخراطي في نقاش دائر حول كون النضال الفلسطيني نضالا ينتمي في جوهره للحركة السوداء، وأهمية بناء وتعزيز أواصر أكبر مع “حلفائنا الطبيعيين” في افريقيا وأمريكا اللاتينية تحديدا.

في إحدى المناسبات، تساءل أحد الرجال من الحضور حول جدوى السعي من أجل تحالفات مع افريقيا أو مساعدات منها إذِ الناس هنالك “جياع وفقراء ويحتاجون للمساعدة أنفسهم”، حسب قوله.

كان جوابي على ذلك التساؤل بأن أشرتُ إلى ذلك الشخص، وإلى المستمعين، لأن نلاحظ أن الصورة التي يحملها عن الشعوب الافريقية تم زرعها في مخيلته بواسطة نفس أولئك الذين زرعوا نفس الصورة عنّا في مخيّلات شعوب العالم الأخرى. نحن الفلسطينيون أيضا يُنظَر إلينا كشعب جائع ومحتاج. نحن أيضا يُنظَر لنا وكأننا أقل بشرية؛ كهمجيين وإرهابيين. لقد قاموا بتجاهل الدرجات والأنماط المتباينة التي تشكل حيواتنا الفكرية والثقافية والاجتماعية والتاريخية، أو بالأحرى قاموا بتشويشها وتعتيمها عمدا. عوضا عن ذلك يختزلون بعض تحديات مجتمعاتنا وكأنها حقائق كاملة عن وجودنا نفسه.

ولكن الجواب الأفضل من جوابي جاء من أيمن – روحٌ مهذبة كان يحاول ابتدار برنامج صناعة أفلام في غزة لمساعدة الأطفال على مواكبة صعاب الواقع العنيف الذي يعيشونه. قال أيمن ببساطة: “وما المشكلة؟ ما علاقة الجوع والفقر بالكرامة أساسا؟”.

أما سميحة، وهي كاتبة ذكية ومتألقة في غزة، فأشارت إلى أن مثل هذه التنميطات الاختزالية هي نفسها التي تعيق بناء التحالفات التي نحتاجها بين الشعوب المقهورة والمضطَّهدة. سميحة ومعها رنا – ذات الابتسامة الدافئة والعمل بلا كلل أو ملل، ومنظِّمة المهرجان في غزة – أيضا أشارتا إلى أننا حين نتحدث عن إشراك “العالم” في قضيتنا، أي القضية الفلسطينية، فعادة ما نعني بذلك “العالم” أوروبا وأمريكا، لأن شخصاً ما أقنعنا في لحظةٍ ما في مسيرتنا بأن هؤلاء، أي أوروبا وأمريكا، هم الوحيدون أصحاب الأهمية؛ وأنه لأمرٍ ما فإن حريتنا يمكن أن تأتينا فقط عبر نفس البلدان التي دعمت سلطاتها تدمير مجتمعنا وهلّلت له.

بطبيعة الحال ذلك زعمٌ بعيد عن الحقيقة. ولكن فهم هذا الأمر، وفق ما جاء على ألسنتنا أعلاه، يتطلب منّا أن نعيد توجيه النضال الفلسطيني كيما يحاذي ويراصف نضال الشعوب الأصلية، والمهمشين والمسلوبين، الذين أراهم جميعا “سُودا” من الناحية السياسية والروحانية لأنه لا يوجد ما يساوي حجم الوحشية التي تعرضت لها الأجساد السوداء عبر قرون بواسطة قوى الاستعلاء الأبيض.

بالنسبة لي فإن “السواد” هو ما كان وما زال عرضة للاستعمار والاستعلاء، وهو ما تشمله تلك التجربة التي انبثقت عنها جهود مصارعة دعاوي احتقار الذات، والمقاومة، و”القوة السوداء” والتمكين الأسود.

سوزان أبوالهوى

حلفاء طبيعيون

في كتابه “جلد أسود، أقنعة بيضاء”، يصف فرانز فانون “نرجسية الخنوع” التي تنتج عن الاستعمار والاستعباد الأبيض للشعوب السوداء. قال فانون: “يريد الرجال السود أن يثبتوا للرجال البيض، مهما كلّفهم ذلك، ثراء تفكيرهم والقيمة المتكافئة لقدراتهم الذهنية.” هذه الجملة بذاتها تصف الخطاب الفلسطيني “مع العالم” وطبيعته ذات المركزية الإنكليزية. الأحاديث والمداولات التي نتداولها مع أوروبا وأمريكا البيضاء إنما هي مداولات نحن فيها دوما الطرف الذي يحاول إثبات إنسانيته. هي مداولات نتوسل فيها من أجل القبول والمؤازرة، ونقبل فيها أشكال التعاطف المتباينة التي يمنحها لنا الرجل الأبيض وكأنها تضامن حقيقي في حين يعرضها هو كتبرئة ذمة من عبءٍ ينتابه، أو كقطعة خبز نأخذها ومعها توبيخ لأننا لم نتصرف بتهذيب وارعواء كافي.

بطبيعة الحال ذلك لا تعني هذه الملاحظات إنكار أن هنالك حالات تضامن حقيقي وصلتنا من بعض الأفراد البـِـــيض. لا أتنكّر لنماذج الحب والتضحية التي بذلها رجال ونساء مثل راشيل كوري، وتوم هَورندول، وفيتوريو أروقيني وآخرون. لا أتنكّر للمناصرة النبيلة التي تتجاوز سياجات الإثنية. لكن هنالك فرق واضح، لا يمكن نكرانه، في الطرائق التي تتعاطى بها الإثنيات الأخرى المتباينة معنا ومع قضيتنا.

حين نتداول مع الأفارقة، ومع أحفادهم الأمريكان الذين تم استعباد أجدادهم واقتلاعهم من القارة، نحن لسنا بحاجة لتمهيد كلامنا. ليس هنالك بيننا شعورُ أننا بحاجة لإثبات قيمتنا ومشروعية نضالنا من أجل التحرر. هذا ما أعنيه بأنهم “حلفاؤنا الطبيعيون.” إنهم وشعوبهم يعلمون غريزيّا معنى أن يتم النظر إليك والتعامل معك بواسطة معظم العالم وكأنك أدنى قيمة. إنهم يعلمون جيدا شعور “المعذبين في الأرض.”[2]

ما زال هنالك بعض اليهود الذين يتذكرون ذلك الشعور، من تاريخهم القريب، ربما. أولئك أيضا حلفاء طبيعيون لنا. لكن لا جدوى من الاستمرار في طرق أبواب أوروبا وأمريكا البيضاء، ومن ضمنها الأبواب اليهودية، توسّلا بلسان حال “نرجوكم المساعدة، نرجوكم النظر إلينا، نحن بشر أيضا.” لا جدوى من المواصلة في قبول عطايا مشروطة تقوم تدريجيا بتحويل شعب لديه كبريائه، كما كنّا يوما، إلى أمة من المتسوّلين المستعدّين لبهلوانيات الاستجداء. ذلك أمر مُذِل، ينخر فينا ويضعِفنا، وأهم من كل ذلك غير ضروري.

إحدى النماذج الواضحة لحالة “نرجسية الخنوع” التي تكتسبها الشعوب المضطَّهدة، أن على الفلسطينيين أن يتفكروا في خيار “المفاوضة” مع إسرائيل من أجل الحد الأدنى من الكرامة والحرية والأرض. هذا أيضا مؤشر لجوهر “السواد” في نضالنا. بهذا المعنى فإن نضالنا من أجل التحرر إنما هو نضال أسود في طبيعته السياسية والروحانية. إحدى معالم هذه النرجسية السالبة ذلك الطموح نحو كل ما لدى القاهر، في نفس الوقت الذي نشعر تجاهه بالكراهية. يصف فانون ذلك “الطموح نحو البياض” بقدرات تعبيرية أفضل مما عندي، بيد أنه في الحالة الفلسطينية يمكنني أن أضيف أن هنالك طبقة أخرى تضاف لحالتنا، ويمكنني أن أصفها بنرجسية الضحية.

أتذكر أول مرة رأيت وسمعت فيها إدوارد سعيد يتحدث بشخصه. كان ذلك ضمن الحشد التظاهري من أجل حق العودة، في عام 2000؛ لعله كان أول تلك الحشود (والتي استمرت كسلسلة). قال سعيد في تلك المناسبة: “علينا [نحن الفلسطينيين] أن نتذكر التضامن الذي نلقاه هنا وفي كل مكان.” كثيرا ما أفكر في ذلك الذي قاله سعيد لأني لا أظن أننا نقوم بما يكفي لإيفاء روح تلك الكلمات. نحن لا نعترف بأصل ذلك التضامن الذي نلقاه، إذ نحن مغمورون بآلامنا ومعاناتنا الخاصة – مهما كانت أسباب ذلك مفهومة – لدرجة أننا نميّز مأساتنا كضحايا بمعزل عن معاناة الآخرين، كمعاناة أولئك الذين ناصروا قضيتنا ووقفوا معنا. في هذا الوجه نحن نتشابه عموما (ولكن ليس بنفس المقدار والنوع) مع سيرة قاهرنا حين جعل هو أيضا مأساته الخاصة كضحية، في فترة تاريخية سابقة، فوق مآسي ومعاناة الضحايا الآخرين وأهم منها.

التضامن الأسود مع فلسطين

الحقيقة هي أن هنالك كم ضخم من المناصرة للقضية الفلسطينية تأتينا من جهات لم نلتمسها لذلك، وإنما بادروا بأنفسهم، وهم أنفسهم ضحايا للاستعمار والاستغلال وضحايا للرأسمالية الجشعة والعنصرية المؤسسية.

قبل بضع سنوات كان لي الشرف أن تمت دعوتي إلى فِدرالية النساء الديمقراطية الدولية، في كاراكاس، فنزويلا. هذه المناسبة كانت تجمّعا لنساء من شتى بلدان أمريكا اللاتينية – من المكسيك إلى تشيلي والأرجنتين وكل مكان بين أولئك. كانت منتدى لتداول كل الأوبئة التي تواجه المجتمعات: التمييز الجنسي، الرأسمالية، التمييز العمري، رهاب المثلية، العنصرية، سلب الأراضي، الاستغلال، الدمار البيئي، انتهاك حقوق الشعوب الأصلية، الأبوية والطبقية، إلخ. لقد دعوا فقط وفدين من خارج أمريكا اللاتينية. أحدهما كان وفد نساء فلسطينيات من فلسطين والثاني وفد يمثل نساء شمال أمريكا، معظمه نساء من أقليات إثنية، ومنهن أنا، فلسطينية.

في منتصف 2013 عقدت منظمة الكاتبات الإفريقيات مؤتمرها في غانا. وبرغم كل المشاكل التي تواجهها افريقيا الآن – هذه القارة التي ما زالت تترنح من ميراث قرون من الاستعلاء الأبيض والاستغلال والاستعباد وأكثر – رأى ذلك المؤتمر أنه ما زال من المهم أن يتضمن نقاشا حول فلسطين والقضية الفلسطينية.

في جنوب افريقيا، في مهرجان “زمان الكاتب” الأدبي والذي ترعاه جامعة كوازولو-ناتال، كان الكاتب الوحيد غير الافريقي الذي تمت دعوته فلسطيني. كان ذلك تعبيرا عميقا عن التضامن مع فلسطين، وهو تعبير تولّد من استيعاب أصيل أننا سوية من نسيج واحد؛ نفس الآلام ونفس النضال.

مُناصرونا الأعلى صوتا وأقوى شكيمة كانوا وما زالوا أفارقة وأفارقة أمريكان، من ديسموند توتو إلى أنجيلا ديفيس، إلى أليس ووكر وسينثيا مَكيني. لا أحد سيلوم توتو لو اختار حصر صراعه من أجل العدالة ضد الأبارتيد الاقتصادي الذي ما زال يبث قيحه في بلاده. لا أحد كان بمقدوره أن يلوم ديفيس أو ووكر لو اختارتا إنفاق طاقتيهما بالكامل في مقارعة الحيف الاجتماعي والاقتصادي الكبير الذي يمثل ميراث الغبن من قرون من الاستعباد في الولايات المتحدة الأمريكية. يمكنني ملء صفحات وصفحات بالأمثلة على التضامن والمؤازرة التي تأتينا من جماعات وأفراد كان يمكنهم ببساطة تجاهلنا والانغمار في نضالاتهم الصعبة. نادرا ما سيكون أي واحد من تلك الأمثلة من أشقائنا العرب، خصوصا أولئك المحظيين بأراضي غنية بالبترول وبوسعهم إن أرادوا أن يُحدِثوا تأثيرا فارقا وملموسا.

أعلم أننا نحن أيضا نبرز من نير القهر الإسرائيلي والإبادة الإثنية لنظهر تضامننا مع ضحايا التسونامي، ومع الروهينغيا في بورما أو العمّال المستَغَلّين في بنقلاديش. لكني أرى أن بوسعنا أن نقوم بأكثر من ذلك ونُظهِر تضامننا ومؤازرتنا في مواضع بحاجة لها، حتى إذا لم يكن لدينا شيء نقدّمه سوى كلمات صادقة نبثها من أحياء الأراضي المحاصرة ومن مخيمات اللاجئين. لأن ذلك التضامن، جهد المقل، أحد مواضع الجمال الجوهري في الإنسانية.

لأن هنالك نوع من التحرر لا يمكن أن يأتي إلا عن طريق أن نكون مساهمين أيضا في تحرر الآخرين. ولأن تعهد وتعزيز التضامن المتبادل بين البشر هو سبيلنا لكسر الانعزال المفروض علينا بواسطة الاحتلال القاهر، مثل حصار غزة.

لأن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ليسوا أصدقاءنا. لم يكونوا يوما أصدقاءنا.
——–

*سوزان أبو الهوى كاتبة وناشطة فلسطينية، مقيمة في أمريكا الشمالية، مؤلفة الرواية الأكثر مبيعا “الصباحات في جنين” (2010) – والتي تمت ترجمتها من الإنكليزية للعربية تحت عنوان “بينما ينام العالم” – ومؤسسة المنظمة غير الحكومية “ملاعب لفلسطين”. أصدرت سوزان مؤخرا أيضا رواية جديدة بعنوان “الأزرق بين السماء والماء” وتتم ترجمتها حاليا للغة العربية كذلك. تمت ترجمة هذا المقال بتصرف وتعديلات، مع مراجعة عامة من سوزان، من مقالها بالإنكليزية الذي جاء في موقع الانتفاضة الالكترونية، بتاريخ 11 يونيو 2013:
<https://electronicintifada.net/content/palestinian-struggle-black-struggle/12530>

هوامش:

[1] احتفالية فلسطين للأدب مهرجان أدبي يقام في الأراضي الفلسطينية، أقيمت دورته الأولى عام 2008، سمته العامة الاحتفال بتراث فلسطين الثقافي.
[2] “المعذبون في الأرض” هو اسم الكتاب المشهور لفرانز فانون، الكاريبي الزنجي الذي ناضل مع حركة التحرر الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي وترك أثرا فكريا واسعا في الحركة العالمية لتصفية الاستعمار.

رأي واحد حول “النضالُ الأسود، بين فلسطين وإفريقيا وأمريكا اللاتينية – (بقلم سوزان أبو الهوى*)”

  1. علي في هذا الموقع احد المفيد عن البان افريكانزم لأني الريد أن أقرا وأعرف أكثر عن هذا الموضوع

    رد

أضف تعليق