بين التجريد والتجسيد برزخ

بين التجريد والتجسيد برزخ، أو سديم تداخل.
قد يستبعده الفلاسفة في سبحات التجريد، وقد يتجنّبه الممارسون في ميادين التجسيد.

هنالك حيث تكون النُظُم، ويكون بناؤها؛ ويكون البراكسِس.
تُبذَرُ بذرةٌ هنالك، لتتمدد جذورها في فضاء الفلسفة وتتذلّل قطوفها في فضاء العمل.

يشوّقني ويساورني التجريد، ويشدّ همّتي التجسيد.
فأجد مكاني السلس في البرزخ، بينَ بينْ،
وحينـًا أسيح هناك وحينـًا آخذ معولي هناك.

هذا الوسط، عروةٌ وورطة.… More

بين الأنساق الكبرى والتفاصيل

النظر للأنساق الكبرى (الصورة الكبيرة) يحجب التفاصيل.
والنظر للتفاصيل يحجب الأنساق الكبرى (والتفاصيل التي في العوامل الأخرى).

ولكل “منظور” أهميته، فعلى سبيل المثال، كما قال نسيم طالب، إن النظر لتفاصيل ألوان عيون الناس وانت تقطع في الطريق سيذهلك عن الانتباه للشاحنة الهادرة نحوك؛ وفي الجانب الآخر من السهل جدا الانشغال بالتفاصيل في مسألة ما عن الصورة الكبيرة (وهذه يكاد يكون معظم الباحثين في العلوم والدراسات الانحصارية، في العصر الحديث، متورطين فيها).… More

مثقفو القضايا الخاسرة

حفّزني لهذا المكتوب أمران، أحدهما تعليق من عماد الدين عيدروس، كتبه مؤخرا في صفحته في فيسبوك، حيث قال، “حفظ الفلسفات لا يجعلك يساري فالشرط الانساني المسبق هو الحساسية ضد الاستغلال والقهر والوقوف مع المضطهدْ زي ما حفظ الأحاديث والقرآن لا يجعلك مؤمنا عند الصوفي، فالشرط المحبة. والماعندو محبة ما عندو الحبة”؛ وثانيهما عبارة كتبتهما كذلك قبل فترة بسيطة في نفس الاتجاه، في فيسبوك، قلت فيها، “من المشاكل والتعقيدات، دلائل غياب توطّن المفاهيم بتاعة الديمقراطية والمؤسسية، وغيابها حتى عند جمعٍ من أصحاب الأقلام والأعلام (بما يشير لمسألة قيلت كثيرا في كتابات التاريخ والفلسفة: الفهم والاستيعاب عملية معقدة لا تأتي من الاطّلاع وحده ولا تأتي من الممارسة وحدها، بل وحتى المزيج بينهما قد لا يكون كافيا حسب الملابسات والاعتبارات الذاتية والموضوعية).”.… More

وأجِرني من أوهام السوشَلْميديا

(بعض ظلامات “ثورة الاتصالات”)

طرائق تفكير الناس تتنوع، لكنها بصورة عامة تتأثر بمناخاتهم النفسية في الظروف الزمنية. وذلك ينطبق بصورة شبه متساوية على ذوي الحظوة النسبية من التعليم والخبرة وعلى من هم أقل حظوة، وعبر أي تصانيف أخرى (العمر، النوع الاجتماعي، اللغة، إلخ).

حين يبدأ امرئ بالتفكير باتجاه معيّن، بدوافع، أو وقود داخلي، أصلها تجربة ذاتية غذّت منظورا معيّنا للأشياء وللأحياء من حوله، فإنه يصبح في حركته مثل القطار، يستجمع سرعته تدريجيا ثم ينطلق، وحين ينطلق في ذلك الاتجاه لا يمكن إيقافه بصورة مفاجئة، بل حتى لو بدأ الوقود ينفذ، أو حصلت إعادة لحساب الوجهة المطلوبة، فأي تغيير في مسار القطار وسرعته سيحدث غالبا بصورة تدريجية كذلك — إلا في حالات نادرة، قد يحصل فيها توقّف فجائي، وغالبا ما تكون لأسباب مفاجئة أو طارئة جدا — وفي تلك الأثناء فمن يرى القطار سيرى أنه ما زال يمضي في نفس مساره وبدون أن يبدو عليه تغيّر في الدوافع أو الأهداف، أما “القطار” فوحده يدرك أنه بصدد تحوّلات مقدّرة وهذه فقط بدايتها.… More

قصة الدين: المنبَتُ الأرض والمطمحُ السماء

الدين لغة يعني الجزاء،[1] وأصوله في التديّن البشري هو الاعتقاد الراسخ، المُجرَّب، بأن القانون الذي يحكم الكون – في حيّزه المرئي وما وراء ذلك – مؤسس على أن الكائن الحي ليس في حلّ أن يفعل ما يشاء بدون عواقب، بمعنى أن هناك قانون “معاوضة” عام يقول بأن أفعال المرء لها نتائج، بقدر حُسنها تعود عليه بحسن، وبقدر سوئها تعود عليه بسوء؛ أي أن الخير يجلب الخير والشر يجلب الشر، كقاعدة عامة (كما قانون الحركة النيوتوني “لكل فعل رد فعل..”).… More

في سبيل الاحتفاء النقدي: قراءة لمساهمة الشيخ محمد الشيخ

(نشر بمجلة الحداثة السودانية، العدد التاسع، مارس 2018، الصفحات 124-127، مع بعض التعديلات التحريرية)

هذه مساهمة تُعنى بالاحتفاء النقدي بالتركة الفكرية للأستاذ الشيخ محمد الشيخ، الذي أدركته المنيّة مؤخرا وترك لنا، ضمن ما ترك، مشروعا فكريا أصيلا ونادرا. بحكم المساحة والنافذة الزمنية، لا سبيل لهذه المساهمة سوى اختيار محاور محدودة لحديث معمّم، نرجو أن تكون مناسبة في حدودها، ولا نضمن ذلك.

وكما هو معلوم فالاحتفاء النقدي يتضمن التثمين والإعجاب كما يتضمّن النقد؛ بل ولعل النقد نابع من التثمين.… More